مقتل امرأة عادية

 

(1)

كل شيء في الغرفة كان هادئًا كما مضى من حياتي. غربت الشمس وسكن الشارع الصاخب تدريجيًا. الطعام الدافئ على طاولة المطبخ، طازجًا لم يمس، في انتظار عودة زوجي. المروحة تدور بهدوء على الدرجة الثانية لتحرك بنعومة ما يتسلل من نسيم المساء المنعش، وتوزعه في باقي أنحاء الغرفة.



كل شيء منظم وهادئ وجميل كما اعتدت؛ باستثناء دمي الذي يسيل الآن إلى جواري أمام باب الشرفة مباشرة. أشعر بالحنق، كمن قوطع فيلمه المفضل للأبد...

هاتفي يرن الآن ويقطع أفكاري. لا أحتاج للكثير من الحنكة لأخمن أنه زوجي "وجدي". هذا موعد عودته، سيشعر بالغضب لأنني لا أرد عليه وكل هذا الغضب سيتحول إلى إحساس بالذنب حين يعود فيجدني مضرجة في دمائي. هذا الرنين المتكرر الصاخب مزعج حتى للموتى!

آه يا عزيزي.. ستبكي طويلاً لأجلي وربما تفقد عقلك. ربما تكون أكثر من يحزن لأجلي ولكنك للأسف لن تساعد كثيرًا في الوصول لقاتلي. هل تندم أخيرًا على أنك لم تشاركني مشاهدة كل تلك الأفلام البوليسية؟ لم تكن أبدًا دقيق الملاحظة وجميع الناس بالنسبة لك ملائكة كيف تشك أن تلك اللعينة هي من قتلتني؟



لا يمكنني أن ألومك. أنا أيضًا لم أشك فيها حين زارتني دون موعد رغم الارتباك الواضح على ملامحها. ظننتها تنوي الاقتراض مني مجددًا فبادرتها بسلسلة شكاوى طويلة عن الإفلاس والحال التي لم تعد كما سبق. ولكن يبدو أنها كانت اتخذت قرارها بأن تتدبر أمرها بنفسها.

الملعونة لم تنتظر حتى أموت وسرقت كل المصوغات الذهبية والأموال التي ادخرناها لرحلة الحج القريبة وغادرت المنزل دون حتى أن تلقي نظرة أخيرة على جثتي وتعتذر.

لا أعرف متى أدركت أنني مت وأن أوان إنقاذي قد فات. لكنني سعيدة لأنني لم أستنجد بها كالذليلة لتساعدني. الحقيقة أن سكينها لم يمهلني الوقت لأفعل، لم أتمكن حتى من خمشها بأظافري لأفسد عليها جريمتها وأحتفظ بدليل إدانتها في جثتي.

أكره أن رجال المباحث الحمقى هؤلاء سيظنونني ساذجة فتحت بابي لقاتلي. مممممم في الحقيقة هذا ما حدث فعلاً، أتمنى أن يجعلهم هذا يدركون أنها من دائرتي المقربة وأنني لست مجرد عجوز يائسة تفتح بابها للغرباء في غياب زوجها.

أمر مزعج جدًا أن أكون وحدي من يعرف الحقيقة كاملة وأعجز عن إرشادهم إليها، وأظل هنا استمع لنظرياتهم الساذجة عن مقتلي. كنتُ دائمًا أكره أن أعتمد على الآخرين في شؤوني والآن أنا مضطرة للاعتماد عليهم والرهان على ذكائهم وضميرهم في أمر مهم كحل لغز جريمة قتلي! الحياة لا تكف عن مفاجأتي؛ ولا أعرف هل ينبغي أن أفرح أم أحزن لأنها قررت أن تمنحني أخيرًا ما تمنيته طيلة عمري من غموض وإثارة بعد أن تخطيت الستين وفقدت الأمل تمامًا في الحصول عليه!

 

الحلقة الثانية  

روح أم جثة؟ لا أعرف ما هو محور وعيي الآن بما يدور حولي. هل أنا الآن شبح؟ ما هي حدود سلطتي؟ هل أنا مقيدة بهذا المكان الذي أهدر فيه دمي؟ أم مرتبطة بالجسد المسجي في انتظار المعمل الجنائي وسأنتقل معه إلى المشرحة.. ثم.. يا إلهي إلى القبر؟! هل يخمد وعيي هناك أم سيظل كشف حقيقة من قتلتني يؤرق مضجعي الأبدي هناك دون أن أعرف هل اقتصوا لي منها أم لا!

مقتل امرأة عادية ـ سارة درويش ـ قصة بوليسية ـ قصة جريمة

هل يقتصر وجودي على الحواس؟ أرى وأسمع وأشم.. هل يمكنني أن ألمس أي شيء؟ هل لي قدرة على التفاعل مع الأشياء المادية من حولي؟ أسئلة كثيرة تعذبني والوقت ثقيل لا أعرف ما هي الخطوة التالية ومتى تحدث؟ حين تتصاعد الأسئلة يخفت الصوت من حولي، صوت الضجيج في الشارع والهمهمات. قبل أن أغرق في الأسئلة سمعت صرختين لم يمكنني أن أحدد من أي جاراتي انطلقت، ميزت فقط أن الصوتين مختلفين. هل تصرخان هلعًا علي؟ أم خوفًا من الدم الذي دنس الشارع والشبح الذي يفترض أن يجول في الحي بدءًا من هذه اللحظة؟ أم تصرخان أمانهما المفقود وشعورهما بأن تلك الأشياء الغريبة المخيفة التي نطالعها على صفحات الأخبار وشاشات التلفزيون باتت أقرب من اللازم؟ لن أعرف أبدًا. أعترف أنني في موضعهما كنت سأشتعل حماسًا لأن كل هذه الإثارة قريبة جدًا مني وربما انشغلت بمحاولة اكتشاف القاتل.

آه، لو أنني مكانهما لكنت شاهدة مثالية. أنا أقضي معظم الوقت في الشرفة. أحب مراقبة حركة الشارع والغرق في تفاصيل المارة. أحب أن أعرف عن الناس ما لا تفصح عنه ألسنتهم. لو كانت "أم مسعد" جارتي هي المسجية الآن أمام شرفتها لكنت أخبرت الشرطة بدقة بمواصفات ذلك الشاب غريب الأطوار الذي تشاجرت معه قبل يومين. لا تعترف هي أبدًا أنها كانت تتشاجر معه لكنني أعرف. حتى حين تظاهرت بأنها تودعه بود على باب منزلها كنت أعرف أنها تمثل. وحين بادرتني بتبرير لم أطلبه بعد انصرافه عن أنه من طرف "أبو البكرية"، أي زوجها السابق، تأكدت أنها تخفي شيئًا. لم تمهلني المجرمة التي قتلتني الوقت لأعرف من كان هذا الشاب ولكني بالتأكيد كنت سأمنح الشرطة معلومات كافية عنه، وفي المقابل ستكشف الشرطة قصة مثيرة جاهدت "أم مسعد" لإخفائها.

لو كانت "فاتن" جارتي الأرملة هي القتيلة لا أنا، كنت سأفيد الشرطة أيضًا. أنا أعرف بدقة مواعيد خروجها ودخولها من البيت، وأسماء الزوار المحدودين الذين تستقبلهم منذ رحيل زوجها. لم تدب قدم غريبة عتبتها. كانت حريصة على سمعتها كثيرًا منذ رحيل زوجها خاصة أنها تعرف أن "الحاج عبده"، صاحب السوبر ماركت على ناصية الشارع، ومالك العمارة التي تسكنها أيضًا، "عينه منها" وقد نبهتها إلى ذلك إحدى الجارات، وألمحت لها أنه علق في جلسة مع رجال الشارع على فكرة إقامتها وحدها وأنها "من غير عيل ولا تيل ووضعها كده ما يصحش".

كنت سأخبر الشرطة أنها "ست دوغري" ولابد أنها تعرف قاتلها جيدًا فهي حريصة ولا تفتح بابها لأي شخص لا تعرفه، وأنها ربما كانت تواجه بعض المشاكل مؤخرًا في عملها مما جعلها على عكس عادتها تخرج صباحًا في مواعيد غير منتظمة، ولم تغادر بيتها قط في يومين غير إجازتها الأسبوعية.

أشعر بالحنق لأن أحدًا لم يهتم بمراقبتي على الإطلاق. بالتأكيد كانوا يرونني عجوز فضولية لا أهمية لي إلا أن أجعل حياتهم أكثر صعوبة، لم ولن يعرفوا أبدًا أهميتي في حياتهم. ربما حميتهم عشرات المرات من محاولات سرقة أو قتل، لأن كل من يطأ الشارع بقدميه يعرف أن عيني الحارسة هناك، حتى لو لم أكن جالسة في الشرفة يتخوفون من أن واقفة خلف خصاص أحد النوافذ أو يتوقعون ظهوري فجأة ولم يكن أحد ليغامر بارتكاب أي خطأ.

كنت فضولية أعترف ولكنني كنت أحب الغرق في تفاصيلهم لأتمكن من مواجهة حياتي المملة الرتيبة التي تتكرر تفاصيلها بدقة منذ سافر آخر أبنائي للعمل في الخارج. اضطرتني هشاشة العظام لتسوية معاشي مبكرًا وجعلتني أفضل المكوث في البيت حفظًا لكرامتي التي كانت تجرح كثيرًا في كل مرة أفقد السيطرة على ركبتي في الشارع. شعرت أنني محبوسة داخل جسدي الذي أصبح هشًا أسرع من اللازم، بينما روحي تمتلئ بالحياة؛ فكنت أتلصص على حياتهم وأستعير في خيالي حيوات بعضهم.

لم يكن لي الكثير من الصديقات ولا حتى حاولت أن أوطد علاقتي بواحدة من الجارات. كنت أحب أن أشاهدهم منخرطين في حياتهم الطبيعية لا أن يخبرونني بما يجب أن يقال أو يغرقونني في شكاوى نصفها متوهم ونصفها مصطنع لدرء الحسد. آه.. سأفتقد هذا الشارع كثيرًا، سأفتقد جلسة الشرفة وكل الحكايات التي لم أعرف نهاية لها.

أفقت من أفكاري على صوت هذه اللعينة تنهنه وتتظاهر بعدم التصديق ورجال الشرطة يمنعونها من دخول الشقة. لقد عرفت الآن مدى سوء من يقتل القتيل ويمشي في جنازته. هذه الوقحة تفوق توقعاتي كل دقيقة. أراها الآن أمام باب شقتي تقف حافية بملابس البيت، متظاهرة أن الصدمة جعلتها عاجزة عن التركيز. زوجي يبدو عليه التأفف وهو يحاول إقناعها بالانصراف لأنه ما من جدوى لوجودها. آه يا عزيزي لم تحبها أبدًا، طالما أردتني أن أسطح علاقتي بها ولكنني لم أتمكن من مقاومة إغراء الحكايات المثيرة التي كانت تأتيني بها كل مرة عن الجارات في الجزء الآخر من الشارع الذي لا يمكنني أن أراقبه عن كثب. تبًا ! هذه الوقحة ترتدي واحدة من قلاداتي الذهبية. لقد فاقت بجاحتها الحدود! أنت أيها الرجل الأحمق ارفع عينيك إلى وجهها مرة ودقق النظر هذه قلادتي، كانت صغيرة وخفيفة لكنها لا تنسى. توقفت عن ارتدائها بعد أن تلف قفلها وانسلت من حول عنقي أكثر من مرة. أشعر بالعجز أود أن أصرخ عاليًا أن اقبضوا عليها دليل إدانتها معلق في عنقها!

 

الحلقة الثالثة 

هدأ كل شيء بسرعة. حضر رجال المعمل الجنائي والتقطوا عشرات الصور لجثتي المسجية أمام الشرفة. كنت أظن أن هذا يحدث في الأفلام فقط، لم أتخيل أنه يحدث في الحقيقة. لم يزعجني تطفل أصابعهم وعيونهم على كل شبر في منزلي. كنت أنظر لحياتي بعيونهم وأفكر كم كانت رائعة. البيت منظم جدًا وهادئ. كل شبر فيه نظيف، فإلى جانب الاستعانة بـ"أم حسن" مرة كل أسبوع لتنظيف البيت بعمق لم أكن أسمح أبدًا لشقتي أن تبيت متسخة. لا أنظف أولاً بأول لقتل الوقت وحسب ولكنني منذ زمن مهووسة بالنظافة والنظام، كما أن دقة ملاحظتي تجعلني أنزعج بسهولة من أي خلل في ترتيب البيت.

مقتل امرأة عادية ـ سارة درويش ـ قصة بوليسية ـ قصة جريمة

قبل أن يحملوا جثتي ويغادروا فحصوا كل مداخل ومخارج المنزل بحرص بحثًا عن آثار اقتحام ولمعرفة المكان الذي دخل منه القاتل. هذه الملعونة تتمتع بـ"حظ عوالم" بلا شك! لقد لاحظوا آثار محاولة اقتحام على "كالون" الشقة، رأيت أحد رجال المعمل الجنائي ينادي الضابط ويشير إلى الآثار على الباب. التقطوا عدة صور له ولم يفكروا أن يسألوا زوجي عن هذه الأثار! بالطبع ربطوها بالحادثة ولن يتخيلوا أبدًا أن لا علاقة لها بمقتلي وإنما يزيد عمرها يوم واحد عن الجريمة. أيها الحمقى لماذا لا تسألوا صاحب البيت ببساطة؟ إذا لم يخطر ببالهم أن يسألوا زوجي كيف أحلم أن يخطر ببالهم أن يسألوا صاحب ورشة النجارة في آخر الشارع عمن اقترض منه أدوات لفتح الباب؟ لقد اتسعت دائرة الشك والاتهام وبالطبع لن يفكروا أن القاتل شخص أعرفه.

ملأني السخط وتلاشى وعيي لزمن لا أعرفه. حين عاد من جديد لم تكن جثتي هناك، ولم يعد أي شيء هناك. كنت وحدي في المنزل مع آثار دمي أمام الشرفة وما تبقى من رائحة حياتي القديمة، ولازلت عاجزة عن استيعاب أن ذلك اليوم الذي بدأ تقليديًا وهادئًا جدًا كان اليوم الأخير في حياتي.

كانت الأنوار مطفأة، وباب الشرفة مغلق بإحكام من الداخل، والنوافذ كذلك. لم يكن هناك بصيص نور واحد في الشقة ولكنني أرى كل شيء بوضوح. أتأمل شقتي التي لم تعد منظمة، وتأكلني الرغبة في ترتيبها. تلاشى شعوري بالإثارة، والحنق والسخط وكل ما تبقى لي هو شعور بالخواء. لا أعرف ماذا أفعل بكل هذا الوقت. لا أعرف حتى ما الوقت الآن. توقفت منذ زمن عن تقدير الوقت بالساعات وكنت أقيسه بمواعيد الصلاة والبرامج التلفزيونية والأفلام. أغادر السرير قبل آذان الفجر بنحو نصف ساعة، أكون قبلها نصف نائمة أحاول مغافلة الأرق وسرقة ولو نصف ساعة من نوم الليل. أخرج للشرفة بصحبة كوب صغير من الشاي لأقرأ وردي اليومي من القرآن على التابلت الذي أهداني إياه ابني حين عاد من أول إجازة له. أتوقف حين تصل إلى أذني موجات الراديو الخافتة من محل "الحاج عبده" معلنة الانتقال للإذاعة الخارجية لنقل صلاة الفجر. أدخل من الشرفة لأوقظ "وجدي" ليستعد للصلاة في المسجد، بينما أحضر له شربة العسل وثلاث تمرات لـ"يغير طعم ريقه" قبل الصلاة. أنتهي من صلاتي وأسبقه للنوم من جديد ولا أستيقظ إلا قرب الظهيرة. أحضر إفطاري وأتناوله وأنا أشاهد فيلمًا عربيًا قديمًا، ثم أقوم لإعداد الغداء بعد انتهاء الفيلم. يستغرق إعداد الطعام وتنظيف المطبخ ثلاثة حلقات من المسلسلات الإذاعية المجمعة التي أدمن سماعها على "يوتيوب"، بعدها أتجول في البيت لاقتفاء أثر الأتربة وتدارك أي فوضى صنعها "وجدي" قبل استيقاظي وهو يستعد للخروج لعمله. أنتهي حين تنكسر حدة الشمس فأصبح جاهزة لجلستي المفضلة في الشرفة، أنتظر عودته وأسلي نفسي بحكايات الشارع كأفضل عرض تلفزيون واقع يمكن أن أحصل عليه.

أخذت أملأ عيني من الشقة لأنني لا أعرف متى يتلاشى وعيي مرة أخرى، ولا متى يغيب للمرة الأخيرة. توقفت طويلاً أمام التابلوه الصغير الذي يحمل صورة أصغر أبنائي على الطاولة. كانت صورة حديثة له فور تخرجه، وتختلف كثيرًا عن صورته التي رأيتها في آخر محادثة فيديو بيننا. لا أعرف كيف يتلقى خبر مقتلي. لقد شاب شعره بالفعل وهو في منتصف عقده الثالث بفعل الضغوط والإحباط وفشله في زواجه، ماذا يمكن أن يفعل فيه خبر رحيلي؟ أخاف عليه أكثر من كل إخوته، لدى كل منهم ما يشغله لدرجة أنني لا أسمع صوتهم بالشهور، لكنه على عكسهم كان يقتله القلق علي إن اتصل ولم أجبه من أول رنة، ولا يشق عليه في غربته أكثر من غيابه عني، كما أن علاقته بوالده ليست على أفضل حال. لم يسامحه أبدًا منذ حرمه الفتاة الوحيدة التي أحبها بحجة أن أسرتها لا تناسبنا. تضاعف حنقه عليه بعد أن خرج من زيجته مدمرًا لدرجة أنه لم يطق البقاء في البلد. آه يا صغيري ستواجه أيامًا صعبة ولن تظل صغيرًا بعد الآن. 

انتقل نظري تلقائيًا لصورة والده أوصيته بقلبي عليه، تمنيت لو أن رحيلي يكون سببًا لفتح صفحة جديدة بينهما. فكرت في زوجي نفسه، كيف يكمل حياته من دوني؟ هل يتزوج بعدي؟ تأملت ملامحه. لازال وسيمًا ويبدو بصحة جيدة رغم أنه يكبرني بأربعة سنوات. لم يكن بيننا حبًا كبيرًا لكن العشرة الطويلة جعلتنا متفاهمين. هو أيضًا حرمه والده من حب حياته، لكن حظه كان أفضل من حظ ابنه، كنت أريد أن أعمر البيت ولم أسمح له بأن يجعلنا نفشل ليثبت لوالده أنه كان مخطئًا. عرفت بالصدفة أن حبيبة عمره تلك أصبحت أرملة منذ عامين، ولكنني لم أشعر لا بالقلق ولا الغيرة. لو أن هذا حدث قبل خمس سنوات وحسب ربما كنت أقمت الدنيا ولم أقعدها حين عرفت أنه يتلصص على حسابها على فيسبوك، لكنني منذ سويت معاشي أصبحت أشاهد حياتي وكأنها واحدة من حكايات الشرفة التي أتأملها دون تدخل.

حاول عقلي الهروب من الصور وما تحمله من ذكريات وأفكار ومشاعر، ولكنه انتشلني من نار ليلقيني في دركِ أسفل منها، وأخذ يعيد مرارًا المشهد الأخير في حياتي. شعرت أن شيئًا غير مفهوم ويثير ضيقي بشأن المشهد، غير قتلي بالطبع، هناك خطأ ما لا يمكنني تبينه، شيء في مكان لا يخصه، شيء لا يمكنني فهــ....

 

الحلقة الرابعة 

ها أنا ذا عدت من جديد من حيث لا أعلم. أمامي المزيد من الساعات التي لا أعرف كيف أنفقها. لا أعرف كم من الوقت غبت، لكن يبدو أن غيابي طال لدرجة أن زوجي تغلب على حزنه، أو  ربما خوفه، وعاد إلى الشقة من جديد.

يبدو أنه لم يمض وقت طويل فيها بعد، لا تزال الفوضى التي أحدثها رجال البحث الجنائي تعم المكان. كل ما تغير هو أن دمي لم يعد هناك، والشرفة ونوافذ البيت كلها مفتوحة لتسريب رائحة الموت خارجه. 

مقتل امرأة عادية ـ سارة درويش ـ قصة بوليسية ـ قصة جريمة

أسمع صوت عالٍ لتلاوة قرآنية بالصدى المميز للسماعات الضخمة في سرادقات العزاء، وألمح على طرف الشرفة أحد العمال يعلق فرعًا للنور. إنهم يجهزون سرادق عزائي.

عزائي؟ أواجه صعوبة في ابتلاع الفكرة قبل أن يتم القصاص لي. اندهشت من أفكاري، لم أعرف عن نفسي حب الثأر أو الانتقام ولكنني شعرت أنهم بتقبل العزاء يسدلون الستار على قصتي وكأن شيئًا لم يكن. يتقبلون ما حدث ويفعلون ما ينبغي عمله وكأنه لا توجد أسئلة معلقة بلا إجابات حول ما حدث.

يحزنني أنهم يظنون قصتي انتهت. قتلني لص. بهذه البساطة، لا يهم من يكون هذا اللص. قصة عادية كعنوان في صحيفة يقول: "مجهول يقتل ربة منزل لسرقة مشغولاتها الذهبية". لم أكن مجرد ربة منزل، كانت لي حياة، رتيبة وعادية ولكنني لم أكرهها أبدًا ولم أتمنى أن تنتهي. ولم يكن قاتلي محض لص، كانت امرأة أعرفها، بيننا "عيش وملح" وكنت أحيانًا أشعر نحوها بمودة تجعلني أعتبرها صديقة. لم يغدر بي غريب اعتاد السطو على المنازل واستسلمت لأنني مجرد عجوز حبسها المرض بين أربعة جدران، غدرت بي من فتحت لها بابي، وفتحت لها قلبي، وساعدتها مرارًا على فك ضائقاتها المالية المتكررة.

تذكرت مرة أخرى مشهد قتلي، تلك الثوان الفارقة بين جلستي الهادئة في الشرفة واستعدادي لجلسة ممتعة نتبادل فيها الحكايات، وذهولي حين شق سكينها صدري. تذكرت ملامحها لحظة قتلي، لم تكن مترددة ولا خائفة أو حزينة لمحت الغل في عينيها والإصرار كان واضحًا في ضربة يدها. لحظة! لقد عرفت أين الخطأ الذي أزعجني في المشهد قبل أن يتلاشى وعيي في المرة الأخيرة، كانت قلادتي المفضلة على رقبتها قبل قتلي! أتذكر المشهد جيدًا الآن، كانت مجرد ثوان، وقعت فيها طرحتها مع عنف الحركة ولمحتها مستقرة على رقبتها. لقد سرقتها منذ زمن لهذا لم تهتم بخلعها حين جاءت بعد قتلي تنوح وتتظاهر بالفزع علي، والحزن لأجلي. لا يمكنني أن ألوم نفسي لأنني لم ألاحظها من قبل فهي لم تخلع طرحتها أبدًا لأن جلساتنا كانت دائمًا في الشرفة.

منذ متى تسرقني هذه الملعونة وأنا غافلة؟ وإذا كانت تسرقني ببساطة دون أن أشعر لماذا قررت هذه المرة أن تسرق عمري أيضًا؟ لماذا تحتاج هذا القدر الكبير من المال الآن وكيف ستتصرف فيه بعد مقتلي، سيثير هذا الشكوك بالطبع! حسنًا أفهم أنها تسرقني، أتفهم أن تكون مصرة على قتلي للفوز بالغنيمة ولكن لماذا تطفح عينيها بالغل تجاهي؟ لا أذكر أبدًا أنني آذيتها!

قطع جرس الباب أفكاري، رأيت زوجي يخرج من الحمام بأكمام مطوية وساعدين مبتلين. فتح الباب فرآيتها تقف أمامه. "انتي بتعملي إيه هنا؟؟" دوى صوته بالسؤال الذي رددته داخلي باستنكار في نفس اللحظة.

 

 

الحلقة الخامسة  

رؤية هذه اللعينة تتحرك داخل منزلي تثير جنوني. كانت تتنقل بين المطبخ وغرفة الاستقبال بأريحية وكأنها صاحبة المنزل بعد أن تولت زمام القيادة في ترتيبات عزاء السيدات بشقتي. قبل ساعات حين فتح زوجي الباب ورآها أمامه خرج على عتبة الشقة ليسد الباب بجسده وكأنه يصدها عن الدخول، تنحنحت وهي تقول "البقاء لله يا أبو عمرو.. أنا وستات الشارع جايين نعمل الواجب.. هنروق البيت ونجهزه عشان عزا الحريم"، ظهرت تباعًا وجوه عدة نساء على السلم خلفها وشعر زوجي بالحرج، فغمغم بتعليق لم أسمعه ثم تابع بصوت أوضح وهو يتنحى عن الباب ليدخلن: "مافيش داعي لتعبكم يا جماعة هي يعني الحريم هتيجي تعزي مين والصوان... " قاطعته اللعينة وهي تقول "لا كله إلا كده بيت المرحومة ما يتقفلش أبدًا.. عيب عليك إحنا اخواتها ودي ليها واجب في كل بيت وألف مين عايزة تيجي تعزي فيها". أنا حقًا عاجزة عن التعليق!

مقتل امرأة عادية ـ سارة درويش ـ قصة بوليسية ـ قصة جريمة

عاد زوجي للحمام مرة أخرى، أكمل وضوءه سريعًا، ثم تصنع السعال وهو يقترب من الباب لينتبهن إلى مغادرته وقال "كتر خيركم.. كتر خيركم.. البيت بيتكم.. وأنا هبعت لكم حد يشوف طلباتكم" وغادر الشقة تاركًا هذه اللعينة تستمتع بمكان سيدة البيت بعد أن قتلتها.

شعرت بالمرارة لعدم وجود أي نسوة من دمي في عزائي. كنت أخر ورقة ذابلة تقع من شجرة عائلتي. ودعت أختي الصغرى قبل نحو عام. ليلتها زارتني أمي في المنام. رأيتها في شرفة بيتنا القديم، وجهها نضر كأنما لم يمسسها مرض. كانت الشرفة ممتلئة بالنباتات والورود وحين اقتربت من باب الشرفة رفعت عينيها إلي وقالت بأسى: "شُفتي يا عزة؟ الياسمينة ماتت.. مش قلت لك أنا زرعي عمره قصير". قطع الحلم رنين هاتفي فاستيقظت فزعة، وتنفست الصعداء حين وجدته رنين المنبه لا مكالمة. قمت يومها لصلاة الفجر وأنا مهمومة بما رأيته في منامي، أشعر بثقل على صدري والكثير من الشجن. قررت ألا أقص الحلم على أحد لأحول دون وقوع ما تخوفت منه؛ لكن بعد أن انتهيت من صلاة الفجر وصلتني المكالمة المرتقبة تخبرني أن شقيقتي الصغرى توفيت. لم أصدم رغم أنها لم تكن مريضة ولم تمت في حادث، وإنما أسلمت الروح بهدوء على سريرها. كانت أمي هيأتني لاستقبال الخبر، لكن يا ترى من زارت الليلة لتخبره برحيلي؟

 

*****

بحلول العاشرة مساءً خفت الحركة تمامًا داخل البيت. توقف توافد النسوة على عزائي. شعرت بالامتنان لرؤية العديد من الوجوه التي افتقدتها حقًا. كانت لي لدى كل منهن حكاية لم تنتهي. أتمنى لو أطمئن عليهن واحدة واحدة لأعرف ماذا فعلن بحياتهن. في كل يوم هناك مواجهة حاسمة ما بانتظار امرأة ما، تشبه لحظات الذروة التي يختمون بها كل حلقة من المسلسل ليجبرونك على انتظار الحلقة التالية. هناك دائمًا حدث وشيك في حياة كل منهن، وقرار مصيري لابد أن يتخذ وأزمة تتولد وأخرى تنفرج وفرحة طال انتظارها يهددها كابوس عارض. كنت منخرطة تمامًا في حياتهن بعد أن توقفت الدراما في حياتي تقريبًا حتى تحولت إلى كومبارس لا يظهر على الشاشة إلا من خلال الأحداث في حياة الآخرين.

رأيت وجوه بعض النساء اللائي لم نكن على وفاق تمامًا في حياتي. لقد حسمت الجولة لصالحهن بلا شك. في النهاية أثبتن أنهن أفضل مني فها هن يؤدين واجب العزاء في رغم كل خلافاتنا، ولن يمكنني أن أرد لهن الواجب طبعًا. لكن.. في قرارة نفسي أنا ممتنة لوجودهن. هذا أفضل من تجاهلي على كل حال.

حين تناقص عدد النسوة في البيت بدأت الجارات اللائي وصلن من الظهيرة يبدين تململهن. لمحت كل منهن تراقب الأخريات بترقب، كل واحدة تنتظر أن تكون أخرى هي صاحبة فكرة الرحيل وانتهاء الواجب عند هذا الحد، إلا تلك اللعينة كانت تهرب من عيونهن كلما لمحت في إحداها سؤال "مش نمشي بقى؟"، حسمت أصغرهن سنًا الأمر واستأذنت لأن أولادها عند حماتها ولا يمكن أن تتركهم أكثر من هذا، توالت الاعتذارات حتى أصبح البيت شبه خال. بعد مرور نحو نصف ساعة دون أن تدخل معزية أخرى البيت، غادرت اللعينة مع آخر الجارات بعد أن جهزتا عشاء لزوجي من صواني الطعام التي أرسلها له الجيران.

هدأت قليلاً حين رحلت أخيرًا. وهدأت شكوكي تجاه فكرة أنها تماطل في انتظار زوجي. لا أعرف هل تريد أن تغويه أم تقتله؟

بعد نصف ساعة سمعت العمال يلملمون كراسي الصوان وانطفأت الأضواء تباعًا، وسمعت الرجال يدعون "وجدي" للصعود ليأكل لقمة ويريح جسده المنهك وألا يقلق على أي شيء مؤكدين أنهم سيتمون العمل على أكمل وجه. سمعت خطوات زوجي على السلم ولكنني سمعت خطوات خافتة تتبعه. حين وصل باب الشقة سمعت صوت اللعينة تقول "لا مؤاخذة يا ابو عمرو نسيت محفظتي ومفاتيحي" وقبل أن يرد سمحت لنفسها بالدخول.

هذا ممل! لقد مللت فعلاً من سبها والحنق منها وأشعر أنه لم يعد بإمكاني الاندهاش أكثر من أفعالها. أشفقت على زوجي من شراكها التي تنصبها له الآن، إنها ليست ساذجة وتعرف منذ زمن أنه لا يحبها ولا يستسيغ وجودها في بيته لكنها تكسر عينه بأفضالها ولن يسعه إلا أن يشكرها ويحسن لقائها بعدما فعلته اليوم. "خلصتي اللي بتعمليه؟" صاح زوجي فاندهشت لفظاظته معها رغم ما فعلته لتوها. واندهشت أكثر لردها المنفعل بصوت خفيض: "في ايه انت مش طايق تشوفني ليه؟"

صدمت لردها الذي يشي بعلاقة أعمق مما كنت أتخيل، لم أكد أستوعب حتى تلقيت اللطمة التالية من لسانه، حين رد بنفس نبرة الصوت المنفعلة المنخفضة: "انا مش فاهم انتي بتعملي ايه بطلي تحرجمي على البيت خلي ليلتك تعدي.. قلت لك من يومها مش عايز اشوف وشك تاني وانتي مافيش فايدة" أشاح بوجهه فجذبته من ذراعه ليواجهها من جديد وقالت "ما انا لازم اتطمن حصل ايه في النيابة ووصلتوا لإيه؟ انا مش هفضل كده قاعدة زي الاطرش في الزفة لحد ما الاقي البوكس داخل بضهره ويسحبني"

رد بتبرم: "انتي مش عملتي اللي قلت لك عليه؟ خايفة من إيه؟ مش هيوديكي في داهية إلا قلة سمعانك الكلام"

حاصرت عينيه بنظرة شك: "انت اللي خايف من ايه؟ بتهرب مني كأني جرّبة أو هشبهك.. لو كله تمام زي ما بتقول خايف من ايه؟؟"

"من كلام الناس يا فالحة! الناس تقول علينا إيه وانتي رجلك رايحة جاية على البيت وأنا لوحدي؟"

رمته بنظرة طويلة وهمت أن تقول شيئًا لكنها سمعت وقع أقدام على السلم. لم تتحرك من مكانها كي لا تثير الشكوك وإنما رفعت صوتها قليلاً وهي تقول "ورحمة المرحومة ما تتكسف تبعت لي لو احتجت أي حاجة دي كانت أقرب لي من اختي.. انده أي عيل في الشارع وقوله روح لخالتك أم خالد و...." وصل صاحب الخطوات على باب الشقة فاتجهت نحوه وهي تقول "كويس انك جيت يا حاج عبده عشان أشهدك عليك.. هزعل لو عرفت انه احتاج حاجة وما بعتليش هي مش المرحومة كانت زي اختي؟" هز الحاج عبده رأسه مؤمنًا على كلامها، فألقت عليهما التحية وغادرت وقد أشعلت في رأسي بركانًا.

***

يخونني معها؟ قتلتني من أجله؟ أو للدقة اشتركا في قتلي لأجل الخيانة؟ متى وأين وكيف تورطا في هذه العلاقة؟ كيف وهي متزوجة ولم تشكو أبدًا من زوجها؟ لم تشكو إلا ضيق الحال وأنه ليس رجلاً ماهرًا في مطاردة الرزق. أين كانا يخوناني؟ بيتها لا يخلو من الحركة وأنا لا أغادر بيتي! هذا يوضح الكثير. نسيانه مفتاح الشقة في اليوم السابق لمقتلي لم يكن صدفة، معرفتها الدقيقة لمكان مصوغاتي ومكان إخفاء الأموال لم يكن ضربة حظ ولا مهارة منها، اختيارها التوقيت المثالي لقتلي لم يكن ذكاء منها. كان هو من دبر كل ذلك!

صدمت حين رأيت ذلك الوجه من زوجي. كأنني لم أعرفه قط طيلة 35 عامًا من الزواج. ليس لأنه غدر بي فقط ولكن كل هذا الخبث والدهاء وهذه الخطط لم تكن تشبهه. حتى صوته وهو يحدثها لم أكن أعرفه. عرفته دائمًا مسالما يميل لتجنب الصراعات والمواجهة. لا يستطيع أن يفكر في ما هو أبعد مما تحت قدميه، لذلك لم يحرز تقدمًا كبيرًا لا في عمله ولا حياته. الشقة التي تزوجنا بها هي نفسها التي نسكنها بعد 35 عامًا. مدخراته في البنك متواضعة، ودرجته الوظيفية لم تشهد تطورًا استثنائيًا. لم يتمكن حتى من فتح مشروع إلى جانب وظيفته ليعزز مركزه المالي.

انتزعني صوت إغلاق باب الشقة من أفكاري. خلا البيت علينا. روحي وهذا الرجل الذي كنت أظنه زوجي. ألقى جسده على كرسيه المفضل في غرفة المعيشة، وأخرج هاتفه من جيبه، طلب رقمًا ووضع الهاتف على أذنه قبل أن ألمح الاسم. استمع للرنين على الطرف الآخر بصبر نافد ثم سمعته يتحدث بعد ثوان "بقولك إيه أنا جبت أخري من الولية دي أنا حاسس إننا اتورطنا".

 

الحلقة السادسة 

لأول مرة أسأل نفسي من هذا الرجل الذي تزوجته؟ لم يكن زوجًا مثاليًا طوال 35 عامًا، ولست ساذجة لأتخيل نفسي تزوجت ملاكًا. تزوجنا بشكل تقليدي، فلا كنت فتاة أحلامه ولا كانت به أية ملامح من فتى الأحلام. عرفت من البداية أنه أحب امرأة غيري. لم يبذل مجهودًا لإخفاء حقيقة أنه يرى كل الخيارات دونها سواء، وأنه لا يرى في زواجي إلا ضعفه وأنه رجل فشل في التمسك بحبه ورضخ بعد القليل من المقاومة لضغط أمه ليتزوجني. لم أحب رجلاً غيره لكنني لم أحبه كذلك، بل اعتدته وأقلمت نفسي على تقبله وتقبل عيوبه والتعايش معها.

تقبلت سلبيته، ضعفه وعدم رغبته في اتخاذ أية قرارات كي لا يكون مسؤولاً عنها ولا عن تبعاتها. تقبلت أن أجدف وحدي لنصل إلى بر، أن أتحمل وحدي أعباء تربية الأبناء وحل مشاكلهم وحتى إنجاز ما يحتاجونه من أوراق طيلة سنوات دراستهم. حتى مهمة رسم صورة الأب القوي المحترم في عيون أبنائه توليتها أنا بعناية ولم يبالِ هو بها يومًا. لعبت دوري ودوره بصبر ورضا، ولم أقبل أن يدفع أولادي ثمن قراره أن يعيش كالميت طالما لم يعش الحياة التي كان يتمناها.

مع الوقت أصبحت أعتبره ابنًا رابعًا لي. شعرت بمودة تجاهه حين قارنت بينه وبين أزواج بعض زميلات العمل وبعض الجيران، حمدت الله أنه لم يكن بذيء اللسان ولم يقلل من احترامي أمام أحد ولا يومًا كان عنيفًا معي ولا مع أحد الأولاد، ولم يكن بخيلاً أيضًا. حتى تذمره من اختلاف اهتماماتنا أصبحت أستسيغه وأتقبله كنوع من المشاغبة الحلوة بيننا.

حين سمعت صوته اليوم شعرت أن جنيًا تلبسه. لم أسمع أبدًا هذه النبرة منه، ولا حتى هذه كلماته. لم أرى أبدًا إلى أي حد يمكن أن يصل انفعاله. كأن شبحه من كان يعيش معي لا هو نفسه. هذا الحديث عن التواطؤ والتهديد والقتل يفزعني أكثر من حقيقة أنني القتيلة!

سمعته يقول لمحدثه "انا لازم اقفل ابني بيتصل.. اصلها ناقصة.. سلام" خفق قلبي وأنا أسمع صوته يتبدل في ثوان ويعود لنبرته المستكينة المسالمة كأنه ممثل محترف. كان صغيري عمرو هو المتصل. فهمت من ردود "وجدي" أنه سيصل القاهرة غدًا، وأنه عاتبه على دفني قبل أن يراني. غاص قلبي وكأنني أستوعب مرة أخرى أنني انتهيت. من الطبيعي أن أدفن، لقد أقيم عزائي للتو. حاول "وجدي" إثناؤه عن فكرة المجيء "الحي أبقى من الميت يابني.. شوف شغلك ومصالحك خلاص مافيش حاجة تتعمل"، بدا القلق على وجهه وهو يسمع رده في الطرف الآخر، ثم رد بتوتر "يعني هتعمل إيه اكتر من اللي انا عملته؟ انت تعرف حاجة؟ انت كنت موجود عشان كلامك يفيد ويتعرف مين اللي قتل؟ اهو واحد ابن حرام سرق تحويشة عمرنا وعمر امك وراح.. ربنا المنتقم بقى"، تأفف وهو يسمع رد عمرو وختم المكالمة بتعليق مقتضب "اللي يريحك يابني انا قلبي عليك".

شعرت بالخوف على "عمرو"، الخوف من أن يكتشف حقيقة الوحش الذي يحمل اسمه، والخوف من ألا يمهله هذا الوحش ومن تواطأ معهم لكشف الحقيقة. تمنيت لو تراجع، تمنيت لو أن علاقتهما كانت أفضل قليلاً ونجح في إقناعه بالعدول عن قراره، بقدر توقي للحصول على العدالة، لا أريد أن يكتشف أولادي أبدًا أنني خدعتهم قبله، وجعلتهم يظنون أنهم يحظون بأبٍ مثالي.

أنهى مكالمته مع عمرو وأعاد الاتصال بنفس الرقم الذي سبق وحدثه "ابن امه جاي بكرة" .... "ابو*** دا فاكر نفسه هيجيب الديب من ديله وبيقولي مش هسافر إلا اما اجيب حق امي"... "معرفش يا ستي يجي يوريني شطارته... المهم.. ما تتصليش بيا طول ما هو هنا.. أنا هبقى اكلمك.. انا مفهمه ان الموضوع خلص من سنتين مش عايز لبش لو عرف إننا لسة متجوزين هيضلمها علينا دا مجنون وممكن يقول للبوليس ويفتح عينيهم على حاجات مش عايزينها".

ابني يعرف؟ !! أشعر أنني المغفلة الوحيدة على ظهر الأرض وكنت أظن أنني حادة الملاحظة ولا يمكن أن يحدث شيء دون علمي!  لهذا ساءت علاقتهما؟ لم يكن ذلك بسبب قرار الزواج إذن! عصرت كلماته قلبي، إنه متزوج وليست مجرد علاقة عابرة! لماذا إذن قتلني! أنا لم أشك للحظة في الأمر وإن عرفت لم أكن لأفعل شيئًا هو منتهي بالنسبة لي منذ زمن؟؟ هل هي النقود؟ هل هو الذهب؟ كان بإمكانه تدبير السرقة وحسب لماذا قتلني؟ لماذا؟؟؟

 

 

 

الحلقة السابعة


وصل ابني. كنت أتمنى لو أن بإمكاني استخدام كلمة مثل "رؤيته ردت فيّ الروح" لكنني لست إلا روح هائمة تشعر بالحنق، والآن تشعر بالقلق والخوف. رغم امتناني لأنه منحني فرصة أخيرة لرؤيته، إلا إنني تمنيت لو كان مكبلاً بالمسؤوليات كأخوته، واكتفى بعزاء "وجدي" تليفونيًا ليسمعهم الكلمة التي ينتظرونها عن أن "الحي أبقى" وأن وجودهم لا جدوى منه؛ تمسك صغيري بقراره أن يعود ولا يغادر إلا حين يضمن القصاص لي، وهذا يخيفني.

أشعر بالخوف مما يمكن أن يعرفه، ومما يعرفه بالفعل، ومما يمكن أن يفعله زوجي. لم يعد بإمكاني أن أطمئن نفسي بفكرة أنه لا يمكن أن يؤذي ابنه، لم يعد بإمكاني توقع إلى أي حد يمكن أن يصل جنون "وجدي" وشره، خاصة أنه ينتوي اللعب على المكشوف ولم يحاول بذل المزيد من الجهد في لعب دور الأب الحنون. لم يذهب للمطار لاستقباله، وحين دق الباب فتح له بتحفز منتظرًا منه الحركة الأولى ليقرر مسار حركته. تمنيت لو لم يقابل صغيري والده بفتور ونظرة تمزج الشك والوعيد في عينيه. تردد عمرو في ضمه حين فتح له الباب، صافحه بفتور وبعد ثوان يبدو أنه حسم أمره فقرر أن يضمه حفظًا لماء وجههما أمام صديقه الذي استقبله في المطار وأصر على توصيله للبيت ليطمئن عليه. دخل عمرو البيت بخطى ثقيلة، وراقب بنصف تركيز وعين زائغة الحوار الروتيني بين والده وصديقه دون أن يعلق. حين استأذن صديقه بعد دقائق من الصمت الثقيل دخل عمرو غرفته فورًا دون أن يوجه كلمة واحدة لأبيه.

بقلبٍ مفطور راقبته وهو ينسحب إلى الغرفة مثقلاً بالحزن والأسئلة. بدا وكأنه يتجنب أن يقع بصره على أي ركنٍ في البيت. هل يهرب من ذكرياته معي؟ من صورتي المطبوعة في كل ركن بالمنزل؟ أم يحاول ألا تمحو صورة البيت الكئيبة تلك الصورة في ذاكرته؟ كان دائمًا الأقرب لقلبي مهما حاولت إنكار ذلك أمام إخوته، أو حتى بيني وبين نفسي. أمومته أمتعتني. كان طفلاً حنونًا متفهمًا وذكيًا. جاء بعد 10 سنوات من إخوته ليشبع شوقي للأمومة من جديد. بعد أن شب إخوته متقاربين من بعضهم، بعيدين بعض الشيء عني، أدركت قيمة تلك السنوات التي يقضيها في حضني. فهمت أنه يحتاج حناني أكثر من صرامتي وتخليت عن هاجس أن يكون أبنائي مثاليين جدًا، مهذبين جدًا ومتفوقين جدًا.

ألقى جسده على السرير دون أن يغير ملابسه ولا إفراغ حقائبه. دفس رأسه في الوسادة ولكنني لم أسمعه يبكي. يعصر حزنه قلبي لدرجة جعلتني أتمنى لو أن ذلك الأحمق الذي تواطأ على قتلي فعلها بطريقة أكثر حرفية وجعلها تبدو ميتة طبيعية لعل هذا يهدئ لوعته قليلاً. أطفأ نور غرفته لكنه لم ينم، كان يتقلب على سريره كأنه يتقلب على جمر، بعد نحو ساعتين أزاح الوسادة وجلس على طرف سريره، ثم حسم أمره وغادر السرير. كان في طريقه لغرفة نومنا حين فوجئ بوالده جالس في الصالة. بنبرة متحفزة ناداه "انا هنا يا عمرو بتدور عليا؟" هدأت سرعة خطواته وهو يأخذ نفسًا عميقًا ويخرج كلامه بسرعة "لو عرفت إن ليك علاقة باللي حصل لأمي عمري ما هسامحك" بهت وجدي من كلامه لكنه تماسك سريعًا ورد بغضب وهو ينهض واقفًا "انت بتخرف بتقول ايه؟ انت عايز تجيب لي مصيبة؟ أنا عمري ما كانت بيني وبين امك مشاكل" قاطعه عمرو وكرر بحسم "لو عرفت إن ليك علاقة باللي حصلها مش همشي من هنا قبل ما ألف حبل المشنقة حوالين رقبتك" لطمه على وجهه بغضب "انت صحيح ما شفتش رباية ما هي كانت مدلعاك انت نسيت انك بتكلم ابوك"، شعرت أن اللطمة هوت على وجهي أنا، فزعت من اشتعال الموقف بينهما بهذه السرعة، ودهشت حين رأيتُ عمرو ثابتًا، لم يهتز ولم يصدم حتى من رد فعل والده بل تابع في غضب "انت اللي ناسي نفسك.. ناسي إن انا الوحيد اللي عارف حقيقتك.. وعارف إن كل دا تمثيل.. أنا سكت زمان عشان خاطرها.. صعب عليا تعرف إنها عاشت عمرها مخدوعة.. لكن ورحمة أمي ما بقى في حاجة تسكتني دلوقتي" وأدار له ظهره وعاد إلى غرفته.

بعد أن تخلص من الكلام الذي أرقه، غرق صغيري في النوم عميقًا. سمح لجسده أن يشعر بالإنهاك وتعب السفر والحزن. لم أشبع من التحديق في جسده النائم ومراقبة تنفسه الهادئ. وددت لو بإمكاني أن أربت عليه وأضمه في حضني كلما انتفض في نومه. تذكرت كل لحظاتنا معًا منذ عرفت بوجوده في أحشائي وحتى لحظة وداعنا الأخيرة قبل سفره. لم أشبع منك أبدًا يا صغيري لم أتمكن حتى من ضمك مرة أخيرة قبل أن أرحل.

شعرت بالفزع حين لمحت أكرة الباب تتحرك ببطء، وانفرج الباب ليكشف وجه "وجدي" الذي أصبحت أراه شيطانيًا. وقف لثوان ليتأكد أن عمرو غارقًا في النوم قبل أن يقرر التسلل داخل الغرفة. تملكني الرعب ولم أعرف ماذا يمكن أن أفعل، وددت لو بإمكاني أن أهزه وأيقظه. لن أتحمل أبدًا أن أرى مكروهًا يصيبه. وددت لو أقتل "وجدي" وأنتهي منه. تحركت من جوار "عمرو" إلى الباب يائسة من جدوى حركتي. فوجئت أن إطار الصور على الطاولة وقع فزع وجدي وخرج دون أن يغلق الباب في حين انفتحت عيني عمرو وانتفض من نومه فزعًا. يا إلهي ! هل أشبه الأشباح التي يمنحها الغضب طاقة ملموسة تؤثر على الأشياء من حولها؟ لماذا إذن لم يحرك غضبي أي شيء قبل الآن؟ هل تنبع طاقتي من الخوف؟ أم من الحب؟ 

 

 ( 8 )

سرحت في أفكاري ولم أفق إلا وأنا أرى عمرو يغادر سريره بعد لحظات من التحديق في الفراغ ويتحرك تجاه باب الغرفة ثم يغادرها، فوجئت أن روحي أصبحت ملاصقة له. أتحرك ورائه كعدسة كاميرا مثبتة عليه. اتجهنا إلى غرفة نوم والده. تمنيت لو أوقفه، لا أريد مواجهة ساخنة أخرى وهو كان منذ ثوان يحاول التسلل لغرفته وبالتأكيد لا يريد أن يتسلل ليمنحه قبلة ما قبل النوم!

تصاعد قلقي حين وجدته يفكر بالتسلل للغرفة تمامًا مثل والده. أريد أن أصرخ: "تراجع يا أحمق ليس نائمًا، كان يفعل نفس الشيء قبل ثوان في غرفتك"، ولكنه بالطبع لا يسمعني. يتقدم نحو الغرفة ويجر روحي وراءه. يقف لثوان على عتبة الباب بعد أن فتحه قبل أن يتقدم. لمحت جسد "وجدي" يتخشب على السرير كأنه يخشى أن تفضح حركة غير محسوبة لجسده حقيقة أنه مستيقظ.

تقدم عمرو حتى وصل إلى هاتف "وجدي" على الكومودينو إلى جوار السرير. أمسكه وجرب رمز المرور التقليدي لكل العجائز (0000) لكن القفل لم يستجب. لم يفكر طويلاً قبل أن يجرب عدة أرقام أخرى. استجاب القفل فورًا. لأول مرة أعرف أن عالم زوجي يدور حول نفسه لهذه الدرجة، كان رمز المرور هو تاريخ ميلاده. ولأول مرة أعرف أيضًا لأي مدى يفهمه عمرو.

كتب اسمًا في قائمة البحث عن جهات الاتصال، وحين لم يعثر على أية نتائج جرب كتابته بطريقة أخرى، ثم أمسك بهاتفه ونقل رقمًا منه ليتأكد من عدم وجوده في قائمة الأسماء. لم أفهم ماذا يفعل. لم أتمكن من التقاط الاسم في كل مرة لسرعته في الكتابة ثم الحذف ولكن حين فتح قائمة المحادثات في فيسبوك وبحث عن اسم بعينه وفتح الرسائل بينهما أدركت أنه يعرف بحب "وجدي" القديم وأن هذا البحث كله كان عن تلك الأرملة التي ظننتها أصبحت من الماضي.

شعرت بالحنق. كل هذه الضجة من أجل حبيبته القديمة؟ يقتلني لأجل امرأة لو عرفت بوجودها أو وجود غيرها لم أكن لأبالي؟ كان قتلي أسهل حتى من مجرد مناقشة فكرة زواجه مرة أخرى معي؟ وما هو دور اللعينة التي قتلتني كيف أقنعها؟ هل هي مجرد قاتلة مأجورة؟ أشعر بالدوار ولكنني أتماسك. لا يمكن أن أتلاشى الآن وصغيري في عرين الأسد. رجوته بكل ذرة محبة في روحي أن يغادر الآن. ليس الغرفة فقط وإنما البلد كلها.

تحققت أمنيتي الأبسط، وغادر الغرفة. تبعته بلا إرادة إلى غرفة نومه، اندس في سريره متثاقلاً وحاول أن يعود للنوم لكن التفكير حرمه حتى من القدرة على إغلاق عينيه. التقط هاتفه وفتح فيسبوك يتصفح بنصف اهتمام الصور والنصوص والأخبار التي تتبارى على الظهور أمامه. لا يقف أكثر من ثوان في موضع واحد، ثم يواصل تمرير الصفحة إلى المالا نهاية.

تفقد إشعار فيسبوك اليومي الذي يغريه بمطالعة ذكرياته على الموقع في مثل هذا اليوم. تتبع الإشعار باللامبالاة نفسها وطالع أحداث ذلك اليوم على مدار سنوات مضت. ارتعشت أصابعه حين وصل إلى صورة جمعتنا معًا يوم تخرجه قبل سنوات. فقط أنا وهو والكثير من السعادة. لا أنسى ذلك اليوم أبدًا. لم يهتم وجدي بالحضور، وإخوته كانوا خارج البلاد. كنت مترددة يومها في أن أطلب مرافقته. كنت سأتفهم لو رفض أو شعر بالخجل أو الإحراج أمام أصدقائه من أن يذهب لحفل تخرجه بصحبة أمه. لكنني فوجئت به على العكس يتحمس جدًا ويرتمي في حضني ثم يقبلني وهو فرح. هل تبكي الأشباح؟ أشعر أن دمعة ما طفرت في عيني الآن تمامًا مثلما حدث يومها. سرت في جسدي قشعريرة لفرحته وحماسه. طيلة أسبوعين كاملين كنا نتحدث فقط عن هذا اليوم. أسبوع قبله يناقش معي استعداداته وخططه وحتى خطته للخروج معي بعد الحفل. رفضت وطلبت منه أن يخرج بصحبة زملائه لكنه داعبني "اصحابي ليهم الليل واخره يا ست الكل أنا بقيت خريج قد الدنيا ومن حقي اسهر" مازحته بإفيه المسرحية الشهيرة الذي تحول إلى "سيم" بيننا: "بس دي تبقى رشوة" فرد بسرعة "صح بس هنكر".

في الليلة السابقة للحفل حدثني بعد طول خجل وتردد عن أنه يريد تقديمي لحبيبته. ارتعش قلبي فرحًا يومها وسبقت الزمن في تخيله زوجًا حنونا وأبًا مثاليًا ورجل أفخر بتربيته.

وطيلة أسبوع بعده كنا لا نكف عن الحديث عن اليوم من وقتٍ لآخر، نسترجع لقطاته وكل همسة ولفتة وموقف غريب حدث فيه. كان وجدي إن سمعنا يقابل هذا بنظرات ضجرة مستخفة وأحيانًا ينفعل بغيظ على أحدنا لسبب تافه، فكنت أظنه غيورًا لأنه تغيب عن هذا اليوم.

لا أعرف هل الذكريات هي ما تفطر قلبي الآن أم تلك الدموع الساخنة على وجنتي صغيري. أم شهيقه بالبكاء والرعشة في جسده. كنت أرى جسده ينكمش في السرير وكأنه يحاول أن يعود جنينًا في داخلي. طال توقفه أمام الصورة وتأمله لها. ثم انتقل من فيسبوك إلى معرض الصور والفيديو. اكتشفت أنه كان يسجل كل محادثاته بالفيديو معي. بيد مرتجفة شغل محادثتنا الأخيرة. قبل يوم واحد من مقتلي، وتعالى صوت بكائه.

كان في الشارع حين كلمته لآخر مرة، إلا إنه أمام إلحاحي على الاتصال أجابني وهو في طريقه إلى البيت. لم تكن المرة الأولى التي أشاركه الطريق. أحيانًا يخرج للتمشية ويفتح معي محادثة فيديو. لا أرى وجهه خلالها وإنما يفرجني على الشوارع والمحلات والبيوت من حوله. يعرفني على كل معالم طريقه "من هنا أشتري البقالة.. هل ترين هذا الرجل؟ أحبه جدًا ويحبني. لقد زار مصر قديمًا وكانت له قصة حب رائعة فيها لذلك يحلو له دائمًا أن يكلمني بالعامية ويبتسم في وجهي ابتسامة رائعة. ذكريني أن أحكي لك قصته يومًا ما.. آتي لأجله خصيصًا في المساء، البائع في دوام الصباح نافد الصبر ولا يطاق".. "من هنا أشتري الفواكه يا أمي هل ترين؟ الكمثرى هنا رائعة يجب أن تأتي يومًا وتتذوقينها. أعرف أنك تحنين إلى مذاقها القديم لا تلك الماسخة التي لا نجد سواها الآن".. هل ترين هذا المحل هناك؟ صعقت من الأسعار حين دخلته.. اسعاره نكتة بالنسبة لنا في العمل.. " يضخم صوته ويضيف بنبرة دعائية "اعمل بجد حتى يمكنك أن تدخله وتشتري".

كانت تلك المكالمات المحببة تخرجني من سجني. أنسى أنني عجوز شبه مقعدة حبيسة جدران بيتها وهشاشة عظامها، وأشعر كأنني معه. يضعني في قلب عالمه فأفهم كل ما يحكيه لي فيما بعد. ورغم كل حيويته تلك لم يشعر أبدًا بالضجر وأنا أقاسمه تفاصيل يومي الرتيبة والمملة. كنت أحيانًا أشعر بمدى تفاهتها فأخجل عن إكمالها لأجده يطلب مني باهتمام أن أكمل حكايتي. وحين يمنحني القدر حدثًا جديدًا في أحد أيامي المملة، كنت أحمله له بفخر كهدية وأقدمه بحماس وشغف. لهذا لم أطق صبرًا في ذلك اليوم، ألححت في الاتصال لأشاركه تفاصيل يومي الذي كان حافلاً مقارنة بباقي الأيام، وأخبره عن تلك الحادثة المثيرة حين قضينا نصف اليوم تقريبًا على السلم لأن "وجدي" الأحمق نسي مفاتيحه. لحظة! لقد حكيت له ! إنه يعرف الآن، ربما لم ينتبه لحظتها للحكاية التي ذكرتها له باختصار لأنه كان على وشك ركوب الحافلة لكنني أتذكر أنني أخبرته بما حدث.

في نفس اللحظة كان وصل لهذه النقطة في محادثتنا. سمعته يعيد تشغيل هذا الجزء من الفيديو مرارًا بعد أن اعتدل في سريره متحفزًا. كرر تشغيله حتى كدت أجن من كثرة سماع صوتي أكرر القصة نفسها. هدأ أخيرًا ورأيته يغادر صفحة الفيديو ليذهب إلى الواتساب. فتح رسالة جديدة وأرسل لوالده "ابعتلي رقم المحضر أنا عايز اروح بكرة النيابة".

 

 ( 9 )

في الصباح قرر "وجدي" أن يعيد ترتيب الأدوار من جديد. استعار وجه الزوج المكلوم والأب الحنون ودخل متنحنحًا إلى غرفة عمرو. جلس على طرف سريره وقال بنبرة متعاطفة وهو يمد يده بقصاصة ورق صغيرة "رقم المحضر أهو يابني بس اسمع كلامي ما ترُحش.. أنا قلبي عليك مش هتستحمل". نظر له عمرو بتشكك ممتزج بالدهشة من تغير نبرته من الأمس لليوم، فأضاف "بعدين يعني وجودك لازمته ايه انت تعرف حاجة أنا ما اعرفهاش؟" هكذا إذن! إنه يحاول أن ينصب له فخًا ليعرف منه باللين ما لن يعرفه بالغلظة والتجاهل. مرت ثوان صمت عمرو ثقيلة وروحي ترتعد، أتمنى ألا ينطق. أن ينسى لماذا طلب أن يذهب إلى النيابة. دعوت الله أن يلهمه أي رد لا يجعل "وجدي" يشعر بالتهديد منه.

رد عمرو باقتضاب أخيرًا "لا.. هعرف منين؟ أنا رايحة بتوصية من واحد صاحبي لضابط المباحث عشان يهتموا"، ارتخت ملامح "وجدي" المترقبة قليلا ورد بنبرته المتعاطفة الأولى "يابني مالوش لازمة مشوارك ولا جيتك هنا كلها ليها لازمة.. خلي صاحبك يكلمه منه له.. ولو انهم بصراحة مش مقصرين.. ابن الحرام اللي سرق ما سابش بصمات ولا أي حاجة هيعرفوه منين يعني هيفتحوا المندل؟"، رد عمرو بحسم "لو عايزين يعرفوا هيعرفوا.. ولما أكلمهم وواصيهم واخلي صاحبي يكلمه هيبقوا عايزين يعرفوا". عاد القلق لملامح وجدي لكنه قال باستسلام وهو ينهض من على طرف السرير متجهًا لباب الغرفة "اللي يريحك يا ابني.. عموما انا 10 دقايق وابقى جاهز.. على ما تغير ريقك بلقمة ولا كوباية شاي" استوقفه عمرو برده الحاسم "أنا هروح لوحدي" استدار "وجدي" ونظر إليه وفتح شفتيه ليقول شيئًا ثم أطبقهما دون أن ينطق. وضيق عينيه وهو يحاول التفرس في ملامحه عله يكتشف شيئًا يخفيه عنه إلا أنه رأى وجهه مصمتًا، فهز كتفيه علامة الاستسلام وغادر الغرفة.

***

حرر "عمرو" روحي من سجنها بين الجدران الأربعة كما كان يحررها في مكالمات الفيديو في غربته. منذ شعرت بالفزع عليه أصبحت روحي ملاصقة له لا لمكان قتلي. خرجت للمرة الأولى للشارع من جديد. الحياة تمضي حولي سريعة. في البداية كنت أشعر بمهابة الخروج أخشى التعثر بفعل العادة ثم أدركت التغيير الجديد وحلقت حرة. للحظة شعرت أنني سعيدة. للحظة نسيت أنني قتلت.

صادفت في طريقي وجهين أو ثلاثة أعرفهم، ابتسمت تلقائيًا لهم وفي كل مرة أتذكر في آخر لحظة أنهم لا يرونني. لم يلتفت عمرو لهم ولم يلتفتوا له. نسوا شكله تقريبًا بعد أن غيرته الغربة وضاعف عمره الحزن. كان يمشي شاردًا وحزينًا. وددت لو أن بإمكانه مشاركتي ما يشعر به وما يفكر به. تمنيت لو يعرف بشكل ما أنني هنا. أحاوطه وأعتني به، مثلما فعلت طويلا في طفولته وسنوات شبابه الأولى.

ألقى جسده داخل سيارة تاكسي، طلب منه أن يتوجه إلى مبنى نيابة الهرم. بحكم العادة وجدت نفسي اتوجه للباب الآخر للسيارة وأدلف إليها. قبل أن ينطلق السائق بسرعة كأنه يهرب قبل أن يباغته الزحام. في الطريق مسحت بكفي جبهة صغيري المتعبة المتعرقة. ففوجئت به يغمض عينيه في سلام ويسند رأسه على النافذة.

***

كان الوضع متوترًا في النيابة. كل الناس تتحرك بسرعة وكل شخص يبدو أنه يعرف وجهته عدانا. أو للدقة ماعدا عمرو. وقف حائرًا قبل أن يجري اتصالاً هاتفيًا بصديق له، سأله من جديد عن اسم صديق والده رئيس النيابة، ودون اسمه على هاتفه فور أن أنهى المكالمة كي لا ينساه مجددًا. توجه إلى مكتب الاستقبال وسأل عن مكتبه. نظر له رجل الأمن متفحصًا "خير؟؟" غرق عمرو في الصمت لحظة محاولاً تخمين ما يقصده بالسؤال وفكر في الطريقة المناسبة التي يقول بها الإجابة ليقنعه بتوصيله له، ثم حسم أمره ورد "جايله من طرف العميد شاكر عبدالقادر" لا يعرف الرتبة أم الاسم هو ما بدل النظرة الحذرة إلى نظرة احترام، لكنه على كل حال وقف مرحبًا "أهلاً يا افندم اتفضل" وقاد عمرو إلى مكتبه.

شعرت بالراحة حين دخلنا مكتب رئيس النيابة. وخف توتري تدريجيًا من الضجيج والزحام في خلية النحل بالخارج. كان المكتب مرتبًا ونظيفًا فساعد في تهدئة أعصابي. استقبل الرجل "عمرو" مرحبًا ومتعاطفًا. كان تلقى مكالمة هاتفية من العميد شاكر شرح له القصة كلها. رغم تعاطفه إلا إنه قال باعتزاز "والله يابني الموضوع ما محتاج توصية إحنا مهتمين بالقضية وموقفين المنطقة على إيد ورجل لحد ما نجيب ابن ال$#* اللي عملها" شعرت بالحرج من أن أسمع هذه السبة الخارجة في حضور صغيري، قبل أن أتذكر أنه لا يدرى بوجودي. تابع الرجل بنفس نبرته الأبوية المطمئنة "عموما أنا هستدعي وكيل النيابة دلوقتي وهو هيتابع معاك كل حاجة.. بس لازم تشرب حاجة الأول".

حين انتقلنا إلى مكتب وكيل النيابة شعرت أنني أصبحت جزءًا من قصة بوليسية مثيرة. نسيت مرة أخرى أنني القتيلة واستمتعت بهذا القرب لأول مرة من مجريات الأحداث التي كنت أطالعها دائمًا عن بعد، إما من خلال مواقع الإنترنت أو التلفزيون.

أطلع وكيل النيابة عمرو على آخر ما وصلت إليه تحريات المباحث، وعدد المسجلين بالمنطقة الذين استجوبوهم وكيف أن غالبيتهم كان لديهم حجج غياب قوية، حتى أن بعضهم كان يومها مطلوبًا في القسم للاشتباه. فكر عمرو بعمق وبدا مترددًا وهو يسأل "هو لازم يكون مسجل؟ مش ممكن يكون حد أول مرة يعملها.. حد المرحومة تعرفه" رد وكيل النيابة "ممكن طبعا بس إحنا بنستبعد الاحتمالات الأقرب الأول خاصة إن في آثار عنف على باب الشقة ومافيش بصمات غريبة تقريبًا في الشقة" استفهم عمرو "آثار عنف؟ انتوا سألتوا عليها والدي؟" أجاب "الحاج لما كان هنا آخر مرة أطلعناه على كل التطورات وإننا بدأنا نـ....." بدا عمرو كأنه لم يسمع باقي العبارة، غرق في تفكير عميق. قبضت يده على هاتفه بقوة كأنه يعتصره، ثم أفاق من أفكاره وكاد يقدم لوكيل النيابة الهاتف لكنه تراجع وتظاهر بأنه يضعه على المكتب ليسحب منديلاً من العلبة الورقية أمامه. قطع وكيل النيابة باقي حديثه وكأنه يمنح الفرصة لعمرو أن يقول ما يتردد في النطق به لكن أخدهما لم يقل شيئًا. حين خيم الصمت لثوان على الغرفة وبدا الوضع غريبًا تنحنح عمرو وقال "ربنا يقويكم يا افندم أنا شاكر اهتمامك ووقتك.. هاجي لحضرتك تاني ويارب اسمع منكم أخبار حلوة" مد يده وهو ينهض من كرسيه وصافح وكيل النيابة الذي نهض ليودعه وتمتم بعبارات روتينية عن قرب تحقق العدالة.

لم أعرف لماذا تراجع عمرو عن فكرة تقديم الفيديو والمعلومة الثمينة التي يحملها. هل رق قلبه لوالده؟ هل أثر فيه حنانه المصطنع صباحًا؟ أم أنه يتمنى لآخر لحظة ألا أكون واجهت كل هذه الخسة في آخر لحظات حياتي؟

وصلنا إلى الشارع وقد فقدت خفتي التي غادرته بها، وازداد عمرو همًا على هم. ونحن نقترب من البيت لمحت قاتلتي اللعينة تغادره. لم ينتبه لها عمرو. مرت جواره كأنها شبح. مجرد وجه آخر من عشرات الوجوه التي لا يعرفها في الشارع. أما هي فلمحتها تلتفت إليه وتتأمله طويلاً بعد أن تجاوزها فانقبض قلبي خوفًا عليه.

 

 (10)

وقف عمرو للحظات يتأمل الباب قبل أن يمد يده ليطرقه. فتح "وجدي" بسرعة وبدا وجهه منفعلاً وغاضبًا ومتحفزًا. تحولت انفعالاته إلى ارتباك حين وجد أن الطارق هو عمرو الذي اندهش بدوره من انفعال والده ولم يفهم السبب. دلف إلى الشقة وقبل أن يغلق الباب خلفه أشار إلى آثار العنف عليه، وقال كأنه يمرر ملاحظة عابرة "أول مرة آخد بالي من اللي حصل في الباب"، استدار وجدي وقال بعد لحظة صمت "ما هي المرحومة أكيد مكانتش هتفتح لأي حد" نظر له عمرو بصمت ثم هرب من عينيه وأغلق الباب واتجه للحمام.

أغلق باب الحمام ووقف وراءه يتأمل هاتفه بأصابع مرتعشة. سرت الرعشة سريعا من أصابعه إلى جسمه كله ونزلت دموعه ساخنة. سمعته يتمتم من بين دموعه "حقك عليا يا امي.. حقك عليا والله بس ما طلعتش سهلة".

آه يا صغيري.. يتمزق قلبي لأجلك. الحقيقة مؤلمة، مؤلمة ولم أتمنى أبدًا أن تقترب حتى منها لا أن تعرفها.

دق "وجدي" عليه الباب مواصلاً لعب دور الأب الحنون "انت كويس يابني؟"، استجمع عمرو قوته ورد بصوت حاول قدر إمكانه أن ينقيه من البكاء "آه تمام"

 رد وجدي "ما قلتش عملت ايه"

"مافيش جديد بيدوروا في المسجلين"

 "يعني رحت المشوار على الفاضي وقلبت على نفسك المواجع"

لم يرد عمرو واغمض عينيه كأنه يعتصرها لتخرج كل ما خزنته من دموع، ثم اتجه للحوض ووضع رأسه تحت الماء البارد ليهدأ. جفف رأسه ووجهه وغادر الحمام إلى غرفته متجاهلاً دعوة والده له لمشاركته الطعام. ابتلع حبتي منوم بالقليل من الماء وغرق في نوم عميق في غرفته.

***

حين مزقت سارينة سيارة الشرطة هدوء الشارع  في ظهيرة اليوم التالي كان أول ما خطر ببالي أنهم عرفوا الحقيقة كاملة، وجاءوا للقبض على وجدي وعلى قاتلتي الحقيرة. ملأني اليقين بأنني سأحصل على القصاص لدرجة أنني تجاوزت هذه الفكرة إلى القلق والشفقة على عمرو الذي سيصدم بهذه الحقيقة المفجعة. إلا أن السارينة ابتعدت عن البيت وتابعت طريقها في عمق الشارع. تكرر مشهد يوم مقتلي بحذافيره. نفس الهمهمات والهرج والمرج في الشارع والكلمات المتناثرة في الشارع وصرختين أو ثلاثة جادت بهم الجارات.

سمعتهم يرددون اسم قاتلتي فابتهجت. حسنًا لقد توصلت الشرطة إلى القاتلة وأصبح اكتشاف أمر "وجدي" مسألة وقت لا أكثر. إلا أن بهجتي انقلبت صدمة حين سمعت إحدى الجارات في الشارع تنقل الخبر لأخرى في الشرفة "أم بسمة اتقتلت". لقد انقلبت كل الموازين!

توالت الأحداث بعدها بسرعة. أسفر اكتشاف الجثة عن تفتيش دقيق للبيت اكتشفوا من خلاله المسروقات من بيتنا. مصوغاتي الذهبية ونفس المبلغ المالي الذي أبلغ "وجدي" بفقدانه يوم مقتلي. انقلب تعاطف الناس مع "أم بسمة" إلى شماتة في ساعات بمجرد تسرب الخبر عبر ألسنة الجيران الفضوليين الذين تابعوا عن كثب تطورات الأحداث في مسرح الجريمة.

اقتحم "وجدي" غرفة عمرو بسرعة وأيقظه من نومه هاتفًا "الله أكبر.. ظهر الحق يابني.. حق امك رجع" انتفض عمرو من نومه مفزوعًا ولم يفهم. فأطلعه "وجدي" على ما حدث خلال نومه. ارتسمت على وجهه مشاعر متضاربة بين الارتياح والخلاص والراحة والغضب. سمح لنفسه أن يبكي بصوتٍ عال وارتمى للمرة الأولى في أحضان والده. ارتبك وجدي حين ارتمى عمرو في أحضانه ولثوان لم يعرف ما يفعل ثم ربت على ظهره بعد تردد وهو يضمه في حضنه وبرقت لمعة انتصار في عينيه. 

 

 

( 11 )

مقتل "أم بسمة" هدأ نار "عمرو" كثيرًا. رغم أنه شعر بالحنق والكراهية تجاهها إلا أن موتها أراحه من الأسئلة والمخاوف التي كانت تنهش قلبه. أراحه من البر بقسمٍ بدا أسهل كثيرًا وهو بعيد. بعيد عن البيت وعن أحضان "وجدي" وتلاعبه.

ولكن على العكس، نفخ مقتلها في جمر الجريمة التي أودت بحياتي. كان السيناريو الأكثر تداولاً والأقرب للتصديق والذي تحركت الشرطة وفقه أن لها شريكًا في الجريمة هو من قتلها إثر خلاف بينهما، ربما على تقاسم الغنيمة. ولكن الشوكة التي منعت الشرطة من ابتلاع هذا السيناريو هو سؤال بسيط: لماذا ترك الغنيمة كاملة إذا كان قتلها بسبب خلاف حولها؟

خيم السؤال كسحابة ثقيلة في سقف الغرفة بعد أن طرحه رئيس النيابة أمام "عمرو" و"وجدي" الجالسين أمامه. لم يطرحه كسؤال وإنما كتعليق عابر، لكنه كان يتفرس في وجه "وجدي" وهو يقول "هو ساب الدهب والفلوس عشان يثبت إنها اللي سرقت وقتلت كأنه بيبعد التهمة عنه و..." قطع حديثه كأنه أدرك فجأة أنه تكلم أكثر مما ينبغي؛ ثم قال بسرعة "ما تقلقوش هي شكلها قربت.. اتوكلوا على الله وأنا لو حصل جديد هتابع معاكم".

كان وقع كلامه ثقيلاً على عمرو أيضًا وليس وجدي وحسب. خطواته السريعة التي جاء بها إلى النيابة بصحبة والده أصبحت أثقل وأبطأ، وجسده الذي كان قريبًا منه في الذهاب أصبح مرتبكًا يميل إلى النفور منه في رحلة العودة.

****

تغيير كبير طرأ على شارعنا الهادئ بعد الجريمة الثانية. بدت الجريمة الأولى كأنها حادثة عابرة، أما الثانية فقد رفعت مستوى الإثارة لدرجة أن المراهقين من طلاب المدرسة القريبة كانوا يغيرون طريقهم خصيصًا ليمروا من الشارع المرعب الذي تتناثر حوله الأقاويل. على "فيسبوك" أصبحت الجريمة الجديدة "تريند" ومثار جدل بين الكثيرين. فريق يدافع عن "أم بسمة" ويرى أن قاتلها -  وقاتلي  -  يلفق لها الجريمة بلا شك، وفريق يرى أنها فضحت لأن الله رفع عنها ستره، وثالث يوصي بالتكتم على الأمر وعدم فضحها وبالتبعية فضح ابنتها، وآخرون يستخرجون العبر والمواعظ من القصة وحولوني ـ هؤلاء الملاعين ـ لعبرة، ومجرد امرأة حمقاء فتحت بيتها لمن لا تؤتمن.

بعد 3 أيام من الجريمة صدم الجميع بتسرب مقطع فيديو قصير لجثة "أم بسمة" أثناء إخراجها من المنزل. لم أفهم التعليقات المبهمة التي تناثرت في الشارع حول فيديو ما مثير للجدل إلا حين راقبت "عمرو" يشاهده بانفعال. كانت الجثة على المحفة وانزاحت الملاءة التي تغطي وجهها وهي تنعطف على السلم في طريق النزول للطابق السفلي. حين انتبه رجال البحث الجنائي إلى ما حدث أسرع أحدهم بإعادة الملاءة، لكن هذه الثوان كانت كافية ليوثق شخص مجهول الحدث بصورة واضحة.

لم أشعر بأدنى شفقة تجاهها على الرغم من أن مظهرها كان مفزعًا. على العكس شعرت لثوان بالتشفي وأنا أتخيل قدر الألم والرعب اللذان انتاباها في لحظاتها الأخيرة. تمنيت لو كنت هناك في تلك اللحظة. ليس فقط لمعرفة قاتلها كما كنت أشعر قبل أيام وإنما لأشفي غليلي بالذعر في عينيها والأسئلة التي تملأها وهي لا تعرف لماذا غدر بها قاتلها. للمفارقة، كانت السلسلة التي سبق وسرقتها مني تحيط برقبتها. اندهشت لثباتها رغم خنقها، ولكنني شعرت أن الله أرد أن تظل في مكانها لتكون أشبه بختم "سارقة" يزين رقبتها.

في اللحظة نفسها التي دارت الفكرة برأسي رأيت عمرو يوقف تشغيل الفيديو ويحدق به. التقط صورة للشاشة ليثبتها وأخذ يكبرها مرة بعد أخرى وهو يحدق في السلسة. لقد عرفها! كانت هذه السلسلة هدية عيد الأم الثمينة الأولى التي اشتراها لي أبنائي. كان هو وقتها في الصف الثالث الثانوي، شارك في ثمنها بنقود ادخرها من "النقطة" التي حصل عليها بعد نجاحه في الصف الثاني.

كنت حريصة دائمًا على ارتدائها، وحين لاحظ أنني لم أعد أرتديها قبل شهور أخبرته أنني خلعتها لأن قفلها تلف ولم أتمكن من العثور عليها بعدها. وعدته أن أبحث عنها مرة أخرى ثم لم نتطرق إلى الحديث عنها مرة أخرى.

شرد عمرو ثم عض على شفتيه بغضب وهو يقول "يا بنت الكلب دا انتي بتسرقيها من زمان! طب قتلتيها دلوقتي ليه؟؟ ليه؟؟". يا الله أخيرًا ! كنت فقدت الأمل في أن يفطن أحد لهذه الحقيقة. اعتدل عمرو في جلسته وهو شارد وبدا وكأنه يتذكر شيئًا. تمنيت لو أن لدي القدرة على قراءة أفكاره في هذه اللحظة. نهض من سريره بعد تردد وكأنه حسم أمره. خرج من الغرفة في طريقه لغرفة والده. ولكنه استدار وعاد إلى غرفته. لا أعرف فيم كان يفكر ولكنني أحمد الله أنه لم ينفذ ما خطر بباله. لا أعرف ما وصل إليه ولكن بالتأكيد آخر شخص أتمنى أن يشاركه أفكاره هو والده.

وصل عمرو إلى غرفته وبدأ يبدل ملابسه بسرعة واندفاع، وكأنه يخشى أن يتراجع عن قرار اتخذه للتو. نظر مرة أخرى بتردد لهاتفه قبل أن يسحبه بانفعال ويخرج من غرفته ثم من الشقة. استوقف سيارة أجرة وقال للسائق بصوت قوي "نيابة الهرم".

 

 

( 12 )

ذابت الشجاعة التي استجمعها عمرو طيلة الطريق من البيت إلى نيابة الهرم في الخطوات التي قطعها من الباب حتى مكتب رئيس النيابة. وكلما اقترب من الباب تباطأت خطواته أكثر. تذكرته في طفولته وهو يحاول أن يستجمع شجاعته ليسأل والده طلبًا يعرف أنه على الأغلب سيرفضه. كان القلق يأكله لساعات وهو يضع في رأسه كل الاحتمالات، ويجرب بينه وبين نفسه عشرات العبارات التي يقدم بها طلبه، لعل فصاحته تفتح بابًا مغلقًا وتضمن له القبول أو أن جملة خاطئة تجعله يفشل في إقناع والده ويكون الرد هو الرفض. حين يصل للصيغة المناسبة أو يضيق ذرعًا بكل هذا القلق أو حين لا يصبح بإمكانه التأجيل أكثر لأن مهلة اتخاذ القرار أوشكت على النفاد، كان يسرع الخطا لمكان والده كأنه يضع نفسه أمام الأمر الواقع، وكانت خطواته الأخيرة دائمًا أبطأ من سابقتها، وحين يقف أمام "وجدي" تخونه الكلمات التي رتبها طويلاً فأتدخل لإنقاذه دائمًا وأتحدث نيابة عنه.

آه يا صغيري ليت بإمكاني إنقاذك من الصمت الذي غرقت فيه أمام نظرات رئيس النيابة المتسائلة لسبب زيارتك، بعد كلمات الترحيب الروتينية التي استقبلك بها. 

لم يجد عمرو ما يقطع به الصمت إلا سؤال مرتبك "هو.. هو مافيش جديد بخصوص قضية المرحومة؟ ولا التانية دي؟" بدا سؤاله أقرب للإقرار من الاستفهام. ضيق رئيس النيابة عينيه وهو يطيل النظر إليه ويرجع بظهره ليستريح في كرسيه، ثم بدا أنه حسم أمره فقال: "أنا الحقيقة كنت فاكر انك انت اللي عندك جديد يا عمرو". رفع عمرو عينيه إليه بنظرة متساءلة تائهة فبادره بنظرة مشجعة وقال "أنا واخد بالي إن في حاجة متردد تقولهالي من فترة.. ياريت تقول كل اللي عندك وما تقلقش".

نظرته ونبرته المشجعتان أطلقتا لسان عمرو فقال بسرعة وكأنه يخشى أن يتراجع مرة أخرى "أنا مش متأكد عندي جديد ولا لأ.. هو بس في شوية حاجات كده.. ممكن ما تكونش مهمة أصلاً بس مش مفهومة.. و... مش عايز يعني اضيع وقت حضرتك" تخلى رئيس النيابة عن جلسته المسترخية واقترب أكثر من المكتب وهو محتفظ بنظرته المشجعة "أي تفصيلة هتفرق.. الحاجات اللي مش مفهومة عندك ممكن توضح حاجات مش مفهومة عندنا.. ياما تفاصيل صغيرة حلت ألغاز كبيرة جدًا.. قولي ايه اللي عندك؟"

اقترب عمرو بدوره، حتى أنه أصبح جالسًا على حافة كرسيه، ويبدو أنه قرر أن يبدأ بتلك المعلومات الأخف وقعًا عليه فقال وهو يهز قدميه بانفعال "أنا في حاجة مش فاهمها.. بس حاسس إنها مهمة.. يعني مثلاً.. اكيد شفت الفيديو اللي اتسرب... " أومأ رئيس النيابة إليه بالإيجاب  فاستطرد عمرو "أنا طبعا شفته.. وحسيت ان في حاجة غلط بعدين فهمت.. شفت على رقبتها سلسلة كانت بتاعة المرحومة.. عارفها كويس.. كنت شاريها لها أنا واخواتى...." قاطعه رئيس النيابة "ما احنا عارفين انها سرقت الدهب كمان... " قاطعه عمرو "لأ.. السلسلة دي اتسرقت من زمان.. ماما قالت لي من شهور إنها مش لاقياها وبطلت تلبسها" تراجع رئيس النيابة في كرسيه وقد لمعت عيناه، فاستطرد عمرو "الست دي كانت بتسرقها من زمان.. وماما عمرها ما شكت فيها.. ليه قررت تقتلها دلوقتي؟؟" ترك السؤال معلقًا وترك خلفه مساحة من الصمت لعل رئيس النيابة يكون لديه إجابة، إلا إنه لم يعلق.

واصل عمرو كلامه وقد ازداد انفعاله "لما جيت لحضرتك هنا النيابة اول مرة.. قبل ما هي تتقتل بيوم واحد.. أنا متأكد إني شفتها خارجة من البيت وأنا داخل.. أنا ماكنتش فاكرها ولا اعرفها.. كانت بالنسبة لي مجرد واحدة ست خارجة من البيت وما ركزتش.. لكن بعدين.. لما شفت الفيديو افتكرت المشهد.. أنا متأكد إنها هي...." صمت للحظة بينما التحفز يظهر على ملامح رئيس النيابة، فابتلع ريقه واستطرد "أنا.. أنا مش عارف بس.. انا متهيألي إني لما خبطت على الباب والدي فتح بسرعة جدًا وكان شكله منفعل.. انا حاسس إنها كانت جاية له!".

سكن جسده بعد أن ألقى جملته الأخيرة وكأنه تخلص من عبء ثقيل على عاتقه أو كأنه لا يصدق أنه قالها فعلاً. بعينين متسعتين حدق في وجه رئيس النيابة يبحث في عينيه عن تعليق، أو ربما عن نفي إلا أن الأخير تنتحنح وهو يخفض عينيه ويطرق بأصابعه بخفة على مكتبه.

لحظة صمت ثقيلة خيمت على الغرفة قطعها رئيس النيابة أخيرًا بسؤال صادم "أستاذ عمرو انت شاكك إن في علاقة بينها وبين والدك؟ شاكك إنه قتل المرحومة عشانها؟؟" صدم السؤال عمرو كأنه لم يفكر به مرارًا وتلقائيًا أخذ يهز رأسه نافيًا وقال كأنه يحاول إقناع نفسه قبل أي شخص آخر "بس.. بس دي متجوزة! وبعدين.. طب قتلها ليه لما هو قتل أمي عشانها؟؟" لطمه رئيس النيابة بالسؤال التالي "بس انت ما تستبعدش إنه قتل أمك! دا انت كمان شايف إنه ممكن يكون قتل ام بسمة!" بهت عمرو من السؤال. شعرت بطيف إحساس بالذنب يحاوطه. تمامًا كما كان يفعل في طفولته حين يشي لي بواحد من إخوته ويشعر أنه تورط ويندم بعد فوات الأوان. فكرة أن تغادر أفكاره رأسه ويشاركها مع آخر فتتجسد وتأخذ أبعادًا كانت دائمًا ما ترعبه. حاصره رئيس النيابة "عمرو انت عارف إيه عن والدك وما قلتوش لحد دلوقتي؟؟".

كانت الصدمة من نصيبي أنا حين سمعت ما حكاه عمرو لرئيس النيابة. عرفت للمرة الأولى سر خلافه العميق مع والده. كان في السنة النهائية بالجامعة حين قرر اختلاس هاتف والده ليجري منه مكالمة لأن الرصيد في هاتفه نفد. خمن كلمة السر التقليدية بسهولة وفتح الهاتف. وهو يهم بإجراء المكالمة ويضغط على زر الاتصال قفزت على الشاشة رسالة جديدة في محادثة. فتح الرسالة بالخطأ بسبب خاصية الـ heads up المزعجة في ماسنجر. شعر أنه تورط فحاول إعادة المحادثة كـ غير مقروءة إلا أن صورة في المحادثة شدت انتباهه. لا يعرف أيهما صدمه أكثر، المحادثة الجريئة أم الصور الفجة المتكررة. توقع أن والده يعبث مع واحدة من عاهرات الفيسبوك اللائي يتضح في النهاية غالبًا أنهن رجال محتالين يستهدفون الحمقى المتلهفين لأي متعة عابرة. إلا إنه لاحظ أن بينهما مكالمات فيديو وحديث متصل ويتطرقان أحيانًا للحديث عن العائلة. هذه علاقة حقيقية إذن! تفقد حسابها الشخصي فوجدها زوجة وأم، بل وصديقة لاثنتين من عماته على فيسبوك.

صُدم عمرو ولم يتمكن من إخفاء صدمته. خرج في اليوم التالي لملاقاة والده على مقهاه المفضل ويواجهه. هدده إن لم ينهي علاقته بها فإنه سيفضحه ويفضحها عند زوجها، وأخبره أنه تمكن من الوصول لحسابه ومكانه عمله من خلال فيسبوك ولن يصعب عليه كثيرًا أن ينفذ تهديده.

"وبعدين؟؟" سأله رئيس النيابة باهتمام فأجاب عمرو "مافيش.. وقتها هداني واستعطفني ووعدني إنه هينهي علاقته بيها.. بس من ساعتها واخد موقف مني.. وانا.. انا اتأكدت لما رجعت إنه ما بقاش يكلمها.. لا لقيت رقم تليفونها على موبايله ولا لقيتهم بيتكلموا على فيسبوك" صمت لثوان وأوضح "بصراحة هي أول واحدة شكيت فيها لما عرفت اللي حصل خاصة إن جوزها مات من خمس سنين وما استبعدتش إنه يكون اتجوزها من ورا ماما" سأله رئيس النيابة "الست دي اسمها نجاة عبدالعظيم؟" دهش عمرو حين وجده يعرف الاسم وأومأ إيجابًا وهو يسأل "هو انتوا عندكوا علم بالحكاية دي؟؟" ابتسم رئيس النيابة ورد "لا.. بس انا قلت لك في حاجات مش مفهومة بالنسبة لك ممكن توضح حاجات مش مفهومة بالنسبة لنا".

 

 

 ( 13 )

"في حاجات مش مفهومة بالنسبة لك ممكن توضح حاجات مش مفهومة بالنسبة لنا" خرج عمرو من مكتب رئيس النيابة وهو يتمتم بالعبارة وكأنه يحاول استيعابها. كان ودعه وهو مصدوم، وقد ضاع آخر أمل في أن يكون والده بريئًا. كنت أنا الأخرى مصدومة لما عرفته، لم يخطر ببالي أبدًا أن حياتي الهادئة الرتيبة كانت حافلة بكل هذه الأحداث والإثارة، لم أتخيل أنني كنت غافلة إلى هذا الحد عن تفاصيل تمسني بشدة رغم ظني الدائم أنني يقظة ودقيقة الملاحظة.

كان عمرو على وشك مغادرة مبنى النيابة حين تمتم بالعبارة للمرة الأخيرة، واستدار عائدًا وهو يقبض على هاتفه بشدة. طرق باب مكتب رئيس النيابة الذي بدا مترقبًا حين رأى عمرو من جديد، وقبل أن يسأله بادره عمرو بتوضيح سبب عودته "في حاجة أخيرة أنا متأكد إنها مهمة" وقدم له هاتفه مفتوحًا على مكالمة الفيديو بيننا.

*****

لم يعد عمرو إلى المنزل. غادر مكتب رئيس النيابة وأرسل لوالده يخبره أنه اضطر للسفر إلى بورسعيد لأمر متعلق بعمله. تنفست الصعداء؛ فبعد أن عرفت ما عرفت ازداد رعبي من أن يظل عمرو بالقرب من وجدي. تمنيت لو يغادر البلد كلها ويعود لعمله وحياته ويترك الأمر برمته لرئيس النيابة، أو حتى ينساه. تحمست لفكرة السفر بصحبة عمرو حتى لو لم يكن يعلم بوجودي. سيكون رائعًا أن أرى معه مدينة أخرى لم أزرها قط. قطع حماسي صوته وهو يطلب من التاكسي الذي استوقفه أن يقله إلى أي فندق متوسط أسعاره معقولة. نظر له السائق كأنه يحاول تقييم حالته المادية من مظهره قبل أن يقله إلى فندق 3 نجوم في أحد ضواحي عابدين.

لا أعرف لماذا فعل عمرو ذلك؟ هل أوصاه رئيس النيابة بالابتعاد عن والده؟ هل غرقت في أفكاري لهذه الدرجة فلم أسمع هذا الجزء من الحديث؟ أم أنه قرر ذلك بنفسه لأنه لا يريد رؤيته بعدما تضاعفت شكوكه تجاهه؟

كان الفندق بسيطًا جدًا، شعرت بالانزعاج قليلاً من صالة الاستقبال ذات اللون الأحمر الداكن، أثار اللون أعصابي وذكرني بدمي السائل لساعات إلى جانبي. وددت لو قرر عمرو المغادرة لمكان آخر أخف على نفسي من هذا الفندق، إلا إنه أتم إجراءات الحجز لأسبوع قابل للتمديد دون حتى أن ينظر للمكان من حوله. رمقه موظف الاستقبال بفضول وعيناه تفتش عن أمتعته. الفضول انقلب شكًا حين أوضح عمرو أنه لا يحمل أية أمتعة فتفحص بطاقته بعناية وطالبه أن يسدد قيمة الحجز كاملة. حين صعد "عمرو" غرفته الجديدة هدأت قليلاً. كانت بسيطة ودافئة كأنها غرفة في بيت قديم. ما إن دخل عمرو الغرفة وأغلق بابها، تهاوى على السرير وانفجر في بكاء حار. أعادني بكاءه إلى الواقع. طيلة الوقت أتعامل مع ما يحدث وكأنه فيلم مثير يحدث لأي شخص غيري وبالصدفة أعرف أبطاله، حتى ينهار عمرو فأتذكر مرة أخرى أنني فقدته للأبد وفقدني للأبد وفقدت حياتي، التي اكتشفت مؤخرًا فقط أنها لم تكن كما تبدو.

لم أعرف ماذا يمكن أن أفعل لأخفف عنه. تذكرت حين مسحت جبينه في التاكسي وكيف هدأ وقتها. جربت أن أحضنه. لم أشعر بحرارة جسده رغم البركان الذي يفور داخله. كنت أحتضن الفراغ. لا بل كنت أنا الفراغ. ولكنه رغم ذلك هدأ تدريجيًا وغرق في النوم، وتركني مع أفكاري. شعرت أنني أريد أن أنقسم لشبحين، أحدهما لا يفارق عمرو ويستمتع بكل ما تبقى لي من وقت على ظهر الأرض، والآخر يتابع مع يحدث مع وجدي.

في المساء خرجت مع عمرو للتسوق. اشترى بعض قطع الملابس الضرورية لإقامته في الفندق. تناول الطعام في مطعم قريب من الفندق وتمشى على الكورنيش بلا هدف. كنت مستمتعة بصحبته لكنه على عكسي شعر بالساعات تمر بطيئة، فتح هاتفه وقرر الاتصال بصديقه الذي استقبله في المطار ولكنه تراجع. فتح تطبيق الخرائط وعاد للفندق سيرًا على الأقدام.

تكررت الأيام خالية من الحياة ومن الأحداث وعمرو لا يغادر سريره تقريبًا إلى ليخرج مرة واحدة لتناول الطعام ويعود إلى الفندق، حتى وصله اتصال من رئيس النيابة في اليوم الرابع. استقبله بلهفة فطلب منه الأخير الحضور للنيابة.

*****

بعينين تملأهما التساؤلات واللهفة جلس عمرو أمام رئيس النيابة ليعرف سر مكالمته. قاطع محاولته للترحيب به "خير يا افندم قلقتني"، فتح رئيس النيابة فمه أكثر من مرة ليتكلم وتراجع كأنه يبحث عن الطريقة المثلى ليقول الخبر، حتى قرر أن أفضل الطرق أقصرها فقال وهو يراقب ملامح عمرو  "إحنا قبضنا على والدك"، خفق قلبي ـ لو أن بإمكاني أن أقول شيئًا كهذا ـ وخيل إليّ أنني أرى عمرو ينكمش في كرسيه. لم تخمد الأسئلة في عينيه رغم الصمت، فتابع رئيس النيابة ببطء "أنا.. مش عارف تحب تواجهه ولا... " قاطعه عمرو "انتوا متأكدين؟"

سأله رئيس النيابة بحذر "من إيه؟"

- إنه قتلها؟؟

-أم بسمة؟؟

رد عمرو بغضب "تولع ام بسمة.. اتأكدتوا إنه قتل أمي؟؟"

انتقل رئيس النيابة ليجلس أمامه وقال محاولاً تهدئته "هتفهم كل حاجة بس تهدى شوية.. تحب تحضر باقي التحقيقات معاه؟ هو قال إنه عايز يشوفك"

"لو هو اللي قتلها مش عايز أشوف وشه إلا لما يتعلق على حبل المشنقة.. ولو ما اتأكدتوش مش هشوفه بردو الا لما تتأكدوا"

"إحنا ما قبضناش عليه إلا وإحنا متأكدين إنه مش بريء.. لكن انت محتاج تهدى وتسمعنى لأن الموضوع كبير"

رد عمرو بنفاد صبر "هسمع إيه؟ قتلها مع المجرمة أم بسمة وقتل ام بسمة كمان.. واضحة!" وتساءل بغضب "وعمل كده ليه بقى؟ استفاد ايه؟؟ " 

تحدث رئيس النيابة ومرة أخرى كانت الصدمة من نصيبي أنا وعمرو معًا: "قعدتك معايا يا عمرو من كام يوم قصرت علينا الطريق جدًا.. إحنا كنا شاكين فيه.. وكان كده كده هيتجاب لكن انت جاوبت لنا على أسئلة كتير كانت هتحتاج وقت طويل عشان نجاوبها" قاطعه عمرو "بسبب موضوع الباب؟" رد "طبعا موضوع الباب كان مهم جدًا، لكن الأهم منه حكايته مع نجاة" انتهز فرصة صمت عمرو ليكمل "لما بنعمل التحريات مش بس بيلفت نظرنا النشاطات الجديدة اللي المشتبه فيه بقى يعملها وما كانش بيعملها بيلفت نظرنا كمان اللي كان بيعمله ووقف..."

قاطعه عمرو بتساؤل "مشتبه فيه؟ طب انتوا اشتبهتوا فيه ليه قبل ما أتكلم معاك عن موضوع الباب؟؟ وحتى عن نجاة؟"

رد رئيس النيابة ببساطة "الزوج دايمًا مشتبه فيه يا عمرو.. وإحنا طبيعي بنتحرى عن كل المحيطين بالمجني عليه"، وصل حكايته دون أن يترك فرصة لعمرو ليقاطعه " والدك ذكى جدا وكان حريص جدًا يتجنب أي شبهة.. وبعد حادثة المرحومة عرفنا من التحريات إنه كان بيخرج كل يوم تقريبًا من شغله على مكان في المنصورية قبل ما يرجع على البيت، والمشوار دا ما اتكررش أبدًا من وقت الجريمة.. لما شفنا كمان سجلات التليفونات لاحظنا إن في رقم كان بيكلمه باستمرار مكالمات طويلة والرقم شبه اختفى من السجل في الأيام ما بعد الجريمة.. ماكناش عارفين بيروح فين في المنصورية لكن عرفنا الرقم بتاع مين...."

"نجاة؟؟؟"

"بالظبط.. لكن ما قدرناش نربط بينها وبين مشوار المنصورية لأن عنوانها مش هناك.. توقعنا إنه عادي ممكن يكون بيلعب بديله زي اي راجل.. تفاريح يعني.. وطبيعي يقف بعد الحادثة خاصة إن كل الناس كانت بتقول إنهم كانوا كويسين مع بعض مافيش حاجة"

صمت للحظات وتضاعفت التساؤلات في عيني عمرو فأكمل رئيس النيابة "وإحنا بندور على أي خيط عملنا تحرياتنا كمان عن نجاة.. مالقيناش حاجة غريبة حواليها.. أرملة جوزها مات فجأة من خمس سنين وولادها متجوزين وعايشين برة مصر.. الجيران قالوا إنها معظم الوقت بتبقى مسافرة لأهلها في طنطا وماحدش بيزورها ولا بتروح تزور حد.. التحريات بعدتها عن دايرة الاستفهام لحد ما عرفنا منك إنه كان في سابق علاقة بيهم فعمقنا البحث عنها أكثر".

التفاصيل التالية حولت القصة من فيلم بوليسي مثير إلى مسلسل تركي! وتركتني ذاهلة لا أعرف من يكون الرجل الذي تزوجته! قال رئيس النيابة لعمرو إن البحث المعمق وراء "نجاة" كشف أنها كانت تتغيب عن البيت لساعات طويلة بانتظام يوميًا بعد وفاة زوجها المفاجئة، قبل أن تغيب بالأسابيع وتخبر الجيران أنها تعيش مع أهلها في طنطا، في حين أن التحريات أثبتت أنها لا تقيم بطنطا وإنما تزورها كل شهر تقريبًا وتمكث يومين على الأكثر وتعود للقاهرة من جديد.

بتتبع أعمق لسجلات الهاتفين ثبت أنهما يتواجدان معًا في المنصورية. وبالتوجه للعنوان وجدوها مقيمة في الشقة التي عثر بها على ورقة زواج عرفي تحمل اسمها واسم وجدي وتاريخها، بالطبع كما فهمت الآن، يرجع إلى خمسة سنوات. بمواجهتها ووجدي بالورقة لم يجدا بدًا من الاعتراف بالعلاقة التي تجمعهما ولكن ظل السؤال الكبير ما علاقة كل هذا بمقتلى؟ لماذا قد يقتلني وجدي إذا كانا متزوجين بالفعل من خمس سنوات وأنا مغفلة لا أشك بشيء ولا أمثل أي عقبة بالنسبة لهم؟

كان رجال المباحث يتتبعون في الوقت نفسه خيط آخر قدمه لهم عمرو: نسيان وجدي للمفتاح وفتح الباب عنوة قبل الجريمة بيوم واحد، ثم إخفاء تلك المعلومة عن الشرطة. كان هذا الخيط وحده الذي يؤكد وجود علاقة بين وجدي ومقتلي. وصل رجال المباحث للنجار الذي أكد المعلومة التي نقلتها لعمرو في مكالمة الفيديو وتمت مواجهة وجدي بالنجار فلم يتمكن من الإنكار أمامه.

انكشاف الأسرار ومحاصرة وجدي في موقع المتهم فجأة بعد أن كان اطمأن إلى نجاح خطته جعله ينهار تمامًا. تدفقت اعترافاته كالنهر، ليس فقط بالتواطؤ على قتلي وقتل أم بسمة، وإنما صدم الجميع باعتراف ثالث.

 

 

(14)

لماذا يقتلني وجدي؟ لماذا يقتلني "زوجي"!! تصاعد دوي السؤال في أذني كالطبل. لم أكن أتخيل قبل أسابيع أن أفكر في إجابة لهذا السؤال على الإطلاق، ليس فقط لأنني عشت امرأة مسالمة أحاول ألا أزعج أحدًا، ولا لأننا لم نتشاجر بشكل حقيقي تقريبًا منذ نحو 15 عامًا، ولا لأنني كنت أظن أحيانًا أننا وقعنا في حب بعضنا البعض بأثر العشرة، ولكن الأهم من هذا كله أن هذا الرجل الذي كنت أظن أنني أعرفه لم أعرف عنه أبدًا أنه يمكن أن يأخذ قرارًا كبيرًا كهذا وينفذه. كان دائمًا يتهرب من تحمل المسؤوليات، يتهرب من أي بادرة لجدال أو صراع أو مواجهة. حتى حين يكون متمسكًا بقرار يعرف أنني أو الأولاد سنعارضه، كان يلقي به كقنبلة ويغادر المنزل حتى تهدأ أدخنة القرار ويعود بوجه مصمت كي لا يناقشه في قراره أحد. وفي المقابل، كان يوافق على الكثير من القرارات حين أمررها له بطريقة مستترة كأنني أضعها على لسانه، فيلتقطها مني ويكررها فقط ليريح نفسه من عناء التفكير واتخاذ قرارات غيرها.

لهذا كانت علامات الاستفهام تمزقني وأنا أتساءل عن السبب الملح الذي قد يدفعه لتنفيذ قرار التخلص مني سببًا والتورط في كل هذه الدراما. ليست الخيانة هي السبب بالتأكيد فهو غارق في العسل منذ سنوات وأنا حتى لم أشك. وليس المال لأنني لا أملك أكثر من قيراطي أرض في قرية على أطراف البحيرة ورثتها عن والدي قيمتها لا تزيد عن الأموال التي ادخرناها للحج والتي سمح بسرقتها مع مصوغاتي الذهبية؟ فلماذا يمكن أن يقتل زوج زوجته؟؟

كنت أستمع لما يحكيه رئيس النيابة لعمرو بنصف تركيز رغمًا عني، ومع كل تفصيلة جديدة تنكشف كانت رغبتي تتضاعف في أن أخرسه وأسأله فقط: "لماذا قتلني زوجي؟؟". قاسمني عمرو نفاد الصبر، فرغم صدمته بما يسمعه إلا أنه سبق واكتشف بنفسه خيانة وجدي ولم يكن تكرار الخيانة صادمًا بالنسبة له أو بمعنى أدق استمرارها، لذا قاطع رئيس النيابة وقال بغضبٍ واستنكار وصوتٍ ملتاع: "قتلها ليه؟؟ عملت له إيه عشان يقتلها؟؟ هي عرفت حاجة؟؟ هي اكتشفت إنه متجوز عرفي؟؟" نفى رئيس النيابة بهزة من رأسه وقال بحذر "أرجوك يا عمرو اهدى.. انت عارف أنا بتكلم بشكل شخصي عشان خاطر العميد شاكر وانا بردو مقدر قد إيه الوضع صعب بالنسبة لك.. فاهدى من فضلك واسمع الحكاية"

احتقن وجه عمرو بالكلمات والأسئلة التي كتمها، بدأ يهز ساقيه بعصبية ليتماسك ورئيس النيابة يواصل حكايته "السؤال دا عرفنا إجابته لما ضغطنا عليه بخصوص علاقته بنجاة.. للأسف يا عمرو المرحومة والدتك ما كانتش أول ضحية لوالدك ونجاة" اتسعت عينا عمرو بدهشة وعدم فهم ورئيس النيابة يكمل "انت حكيت لي انك عرفت بعلاقتهم من خمس سنين.. وقتها جوز نجاة ما كانش مات.. ومات تقريبا بعد شهر من معرفتك بقصتهم.. وجدي اعترف إنهم قتلوه لأنهم خافوا تتهور وتعرفه بالعلاقة بينه وبين نجاة.. وفي نفس الوقت هي كانت بتشتكي له دايمًا إنه بخيل وبيعاملها وحش.. قرروا يقتلوه وبعد كام شهر يتجوزوا.. الموضوع كان بسيط.. هي كانت عارفة انه عنده حساسية من أي مضاد حيوي فيه مادة "السيفترياكسيون" وافتكرت كلمة الدكتور لما حذرهم إنها ممكن تقتله وإنه ضروري يحفظ المعلومة دي وحد من أهله يكون عارفها عشان يبلغوا بيها أي دكتور وهو بيكتب له أدوية.. وجدي اشترى حقنة وسلمهالها عشان ما يكونش في حواليها أي شبهات.. وفي ميعاد حقنة الأعصاب الأسبوعية اللي بتديهاله بدلت الحقنتين.. مات فورًا بهبوط في الدورة الدموية ولأنه معدي الستين ومحدش من أهله شاكك في حاجة وكالعادة مش عايزين يبهدلوه جابوا دكتور الوحدة وكتب وفاة طبيعية واتدفن.. بعد شهور طلبت منه ينفذ وعده هو قلق.. قالها لو اتجوزنا والناس عرفت ممكن حد يشك.. خاصة إن ابني عارف بعلاقتنا.. هي قلقت وخافت من غدره فاصرت تبقى واحدة بواحدة.. "اقتل مراتك زي ما قتلت جوزي ولما تموت ونتجوز ابنك مش هتبقى فارقة له حاجة.. وإلا أنا مجنونة وممكن أبلغ عننا احنا الاتنين". ماطلها وكان ناوي يكتفي بالجواز العرفي لحد ما عرفت إنه هيحجج مراته وهيحج معاها اتجننت وأصرت على التنفيذ" لم يتمكن "عمرو" من الاحتفاظ بصمته طويلاً فأفلت منه تساؤل مذهول "وأم بسمة بريئة؟ لفق لها كل دا وقتلها عشان يثبت عليها التهمة؟؟" رد رئيس النيابة "لا.. والدك كان ذكي جدًا.. أو يمكن جبان جدًا.. كان ضروري ما يبانش في الصورة ويكون بعيد تمامًا وقت القتل.. وطبيعي نجاة مش هينفع تنفذ بنفسها لأنها في الاخر واحدة غريبة عن المنطقة.. فدوروا على حد ينفذ وما يقدرش يغدر بيهم والحظ خدمهم.. أم بسمة فعلاً كانت بتسرق والدتك.. سرقات خفيفة ومش ملحوظة لكن مستمرة.. قبل الجريمة بشهر رجع بدري عن ميعاده فلمحها خارجة من أوضة نومهم وبتخبي حاجة في لبسها.. لما شافته اتخضت وارتبكت وحاولت تقول أي كلام.. هو لمح السلسلة وبص في عينيها وما علقش.. الفكرة لمعت في دماغه ولما اتكلم مع نجاة شجعته.. زار ام بسمة في أول فرصة وواجهها.. بدأ بالتهديد وإن مراته ملاحظة السرقة وشاكة فيها وعايزة تبلغ وقالها إنه هو اللي هداها وحاول يدافع عنها.. بعدها عرض عليها الجريمة ونصف الفلوس والدهب.. ما احتاجش مجهود كبير عشان يقنعها لأنها أصلاً الإجرام في دمها".

هل يمكن أن يشعر الأشباح بالفزع؟ لماذا أشعر بالفزع؟ ماذا يمكن أن يحدث لي أسوأ مما حدث.. أسوأ مما عرفته للتو؟ كانت حياتي كلها عبارة عن مسرحية كبيرة وموتي رحلة صادمة إلى الكواليس! الرعدة التي تسري في جسد عمرو كانت تسري في روحي في الوقت نفسه. كنا أشبه بطفلين يريان للمرة الأولى مدى قبح العالم وفجاجته! كانت كل التفاصيل فيما بعد مجرد تحصيل حاصل. تحديد موعد التنفيذ، تمثيلية نسيان المفتاح، الزيارة الأخيرة لأم بسمة، اتصال زوجي الروتيني بي قبل عودته رغم أنه يعلم يقينا بمقتلي. كل شيء كان مسرحية معدة بعناية لولا بعض التفاصيل الصغيرة التي لم يضعوها في حسبانهم وكانت أشبه بحصاة صغيرة تحركت من مكانها فهدت السور الذي أتقنا بناءه طيلة شهور. وضع وجدي في حسبانه احتمالية عودة عمرو لمعرفته بمدى تعلقه بي، لكنه لم يعرف إلى أي مدى كنت أشاركه التفاصيل والأخبار، لم يعرف أن أم بسمة سترتبك وتفزع بمجرد التنفيذ. كانت لصة بارعة لكنها لم تكن قاتلة محترفة ووجدت أن الأمر أكبر من تصوراتها. لم يعرف أنها ستبتزه وتهدده، ولم يعرف أن عودة عمرو ستثير في نفسها الرعب لدرجة أن يضطر لقتلها. حين ارتبكت خطته ووصلت إلى هذا الحد تخيل أن في مقتلها طوق نجاه له، سيقدم للشرطة ولعمرو متهمة متلبسة بالسرقة ولن يمكنها الوشاية ولا الدفاع عن نفسها. ولكن لأنه وضع خطته بسرعة وتحت ضغط لم يفكر في أن مقتلها في حد وترك الأموال والمصوغات التي تثبت تلبسها يؤكد أن لها شريكًا لا يهتم للمال وإنما يهتم بالأساس بالتخلص مني.

****

طلب وجدي أكثر من مرة أن يقابل عمرو إلا إنه رفض. طلب من المحامي الذي انتدبه المحامي العام للدفاع عنه أن يتواصل مع أحد أبنائنا يطلب منهم أن يأتوا لرؤيته أو يتصلوا به هاتفيًا إلا إنهم رفضوا، حسبما أخبروا عمرو في مكالماتهم وهم يشددوا عليه ألا يظهر في أية وسائل إعلامية لأنهم اكتفوا من الفضائح وقرروا ألا يعودوا إلى مصر مطلقًا أو على الأقل لن يعودوا لنفس المنطقة للأبد وفوضوه في التصرف في الشقة وقطعة الأرض التي كنت أملكها على أن يرسل لهم نصيبهم عبر البنك.

تضاعف أثر الزمن على عمرو خلال تلك الفترة القصيرة. بات شاردًا معظم الوقت يمشي بخطوات بطيئة ثقيلة كأن وزنه تضاعف رغم أنه ازداد نحولاً. لم يتمكن من الإقامة في الشقة مرة أخرى كان ما حدث فيها أصبح بالنسبة له أثقل من أن يحتمل وطأته. استعاد منها أمتعته التي جاء بها من السفر،  دس في حقيبته شالي الأزرق وعباءة البيت المفضلة لي وغادر البيت ومد حجزه بالفندق شهرًا كاملاً.

لم يكن يحق له التصرف في الشقة حتى يتم تنفيذ حكم الإعدام في وجدي. لم يتصرف في الأرض التي أملكها وأخبر إخوته أنه لن يفعل، وأن عليهم إن أرادوا أن يفعلوا شيئًا كهذا أن يفعلوه بأنفسهم. ردت له النيابة الأموال والمصوغات التي سرقت يوم مقتلي. باع المصوغات واحتفظ فقط بالسلسلة التي دنستها الملعونة أم بسمة. أرسل لإخوته نصيبهم أما أموال الحج فقسمها لتكون صدقات جارية مختلفة، جزء خصصه لحفر بئر بإحدى القرى الفقيرة، وجزء ساهم به في شراء جهاز لغسل الكلى بمستوصف خيري وجزء ثالث خصصه لمعهد الأورام. أما نصيبه من ثمن مصوغاتي فأهداني به الحجة التي كنت أحلم بها.

كنت أشعر بقلق من لحظة انكشاف أمر وجدي وأشعر أن وقتي بالقرب منه يوشك على النفاد. هذا ما كان يحدث في كل القصص والأفلام الأجنبية التي تحوم فيها أرواح القتلى إلى أن يتم القصاص لهم ويرون الضوء الأبيض الساطع ثم يختفون. ولكن هذا لم يحدث. في كل مرة كان وعيي يتلاشى كنت أظن أنها الأخيرة. فأود أن أودعه وأشبع منه في كل لحظة لأنني لا أعرف هل هي اللحظة الأخيرة أم لا؟ حين أنهى إجراءات سفره وحلقنا في الجو خفت قلقي قليلاً. أشعر الآن أنني سأظل حوله للأبد. وضع الشال والعباءة داخل غلاف بلاستيكي ليحتفظا برائحتي لأطول وقتٍ ممكن، وعلقهما على شماعة. ينقلهما معه في حقائبه ويضعهما خلف باب غرفته في كل مكان يقيم به. كان يخرجهما من الغلاف من وقتٍ لآخر حين يفتقدني ويتشمم رائحتي فيهما وتدمع عيناه.وأنا أنتهز الفرصة وأندس فيهما وأحضنه.

- تمت -

0 comments:

Post a Comment