إلى رفعت.. الرسالة 69

أفرح حين أعرف أننا ـ أنا وأنت ـ اكتسبنا صديقًا جديدًا يا رفعت. يختلط حزني بفرحي ويتبدد شعوري بالوحشة حين أعرف أن أحدهم شاركني شعورًا قاسيًا أو خوفًا مررتُ به وحكيت لك عنه.
أطمئن يا رفعت حين أعرف أن أحدهم سمع مني أن الحياة ليست سهلة، ولا بأس أن يشعر بكل هذا الخوف والتعب. حين كنتُ أصغر وأكثر سذاجة، كنتُ مملوئة بأوهام تغيير العالم وتلك البصمة التي يجب أن يتركها كل منا في الحياة، ولكنني الآن أفضل أن أكون تلك الكتف التي يميل عليها أحدهم ليلتقط أنفاسه ويواصل استكشاف طريقه.
أصبحت الآن أخاف من ترديد عبارات خاوية عن القوة، عن الأحلام الكبيرة وعن ضرورة أن نطحن أنفسنا ونختبر طاقتنا للحد الأقصى لنحقق إنجازًا ما.
أحاول ألا أكون قاسية على نفسي يا رفعت، وأبذل جهدًا كبيرًا لأفعل ذلك وأكف عن مطاردة الكمال وتتبع نواقصي وتضخيمها في عيني.
أقرأ هذه الأيام يا رفعت خطابات فنسنت فان جوخ. أحببته جدًا منذ قرأت قوله "لن أعيش دون حُب"، تحديدًا حين قرأت استطرادًا من ناشر المقولة بأنه لم يحصل على ذلك الحب أبدًا. بكيت لأجله كثيرًا حين شاهدت ذلك الفيلم عنه. وشعرت أنني أريد أن أربت على كتفيه وأضمه بحنان، ومن وقتها كلما رأيت لوحة له يجتاحني الشعور نفسه.
حين قرأت رسائله تمنيت لو أن أحدًا كان إلى جواره ليخبره أنه "لا بأس"، تمنيت لو كنت هناك بقربه أخفف عنه قليلاً. أقرأ وأتخيل ملامحه وهو يحكي بفرحة طفولية عن أن أمور عمله بخير، فرحته بالراتب وبالمكافأة وبأنه أصبح بإمكانه أن يستقل أخيرًا. غاص قلبي حين شعرت بحيرته وهو يحكي عن طرده ـ ضمنيًا ـ من العمل وخوفه من المجهول. شعرت بوحدته وغربته وبأنه طفل صغير والعالم متاهة.
تذكرني حساسيته بمخاوفي على صغيري عُمر. أخاف أن تؤذه الدنيا ولا تتفهم رهافته. أخاف أن تصدمه نظرته المثالية للعالم وإيمانه المطلق بالعدل، وأن كل شخص يجب أن يحصل فقط على ما يستحق، وهو ما أعرف جيدً أنه لا يحدث أبدًا. أشعر دائمًا أنه وفنسنت صغيري الذي لم أنجبه وربما لن أنجبه أبدًا وأتمنى لو أتحول إلى طاقة سحرية تحيط به لتحميه من هذا العالم.

0 comments:

Post a Comment