إلى رفعت.. الرسالة 66

ترعبني الأمومة يا رفعت. كنت أراقب أمي تقف بشجاعة عند رأس ابنتها الكبرى التي خرجت لتوها من غرفة العمليات. كانت تتألم فيغوص الألم عميقًا في قلبي، وأشعر أنني أريد أن أجري بعيدًا لأتفادى كل هذا الألم. راقبت وجه أمي تلقائيًا مشفقة عليها من كل هذا الوجع، ولكنني رأيتها متماسكة صبورة، تربت على رأسها بحنان وقوة وتخبرها أنه "لا بأس.. انتهى الجزء الأصعب".
أمي نفسها التي كانت تتحمل صراخي المفزع وهي تطهر لي جرحًا صعبًا في الطفولة، أعرف أن جروحي سيئة، لا تطيب بسهولة. وأعرف أنني لا أحتمل الألم، وكنت أحاول التملص منها تارة وأستجديها تارة أن تترك جرحي كما هو، دون أن تلمسه أو تطهره، وليحدث ما يحدث، ولكنها كانت دائمًا تصر على أن تفعل ما ينبغي عليها أن تفعله.
أشعر بالخوف يا رفعت لأنني لا أملك هذه القوة. أنا هشة جدًا يا رفعت وضعيفة أمام ألم من أحب، وجسدي يخونني في كل مرة، إما أنام أو أنهار لأهرب من كل هذا الألم.
قطتي الصغرى أصبحت أمًا قبل أسابيع يا رفعت، ومراقبتها تضاعف هواجسي. كنت أظن أمها مهووسة بالسيطرة حتى رأيتها تكاد تجن كلما سمعت مواء قطة في مكان ما، حتى لو في الشارع. فجأة تغير كل عالمها، بعد أن كان المبيت قرب أنفاسي هو طقسها الليلي المقدس فجأة أصبح لديها عالمها الخاص الذي لا يزيد عن مربع ضئيل اختارته بعناية لتحمي صغارها فيه.
في يومها الأول لم تغادرهم حتى لتناول الطعام، وانتظرت ساعات طويلة حتى عدت من عملي لأضع الطعام قربها. في الأيام التالية باتت تفتقدني فتطل للحظات من باب الغرفة لتطلب الوصل ثم تدخل لصغارها سريعًا.
ارتباك الأولوليات لهذه الدرجة يرعبني يا رفعت. لا يمكنني أن أتخيل أن يتغير عالمي فجأة ليدور حول فلك قطعة أخرى مني، لكنها ليست أنا تمامًا. يفزعني مجرد تخيل ألا يكون بوسعي أبدًا أن أنفرد بنفسي وقتما أردت.
أفصح لأمي عن هواجسي فتبتسم وتخبرني أنني سأكون أمًا رائعة. ولكنني لا أخاف فقط من ألا أمنح أطفالي ما يحتاجونه من محبة واهتمام، وإنما أخاف أيضًا أن أنسى نفسي أمامهم، أن أتلاشى فلا أرى نفسي إلا من خلالهم، ثم أجد نفسي فجأة أطالبهم بأن يكونوا من لم أكنه وأن يفعلوا ما لم يسعفني الوقت لأفعله.

0 comments:

Post a Comment