إلى رفعت.. (الرسالة 57)


اكتشفت أخيرًا أنني أحب أيامي المزدحمة يا رفعت. أحب ذلك الإرهاق الذي يجعلني أغرق في نوم عميق دون كوابيس ولا أرق، وأن تكون كل دقيقة من النهار مزدحمة دون وجود أي ثغرة للتفكير أو الشعور بالتعاسة. هذه الدوامة هي بشكل ما غيبوبة وحيلة لتمرير الأيام دون أي تفكير ولا حسابات وحجة جيدة لكي لا تفعل شيئًا مختلفًا خارج منطقة راحتك.
كنت أقرأ اليوم مقالاً عن الانطوائيين وسماتهم الشخصية وطباعهم التي تعقد دخولهم في علاقة حب، وبغض النظر عن الحب وجدت غالبية الصفات تنطبق عليّ، الدوائر الصغيرة من الناس، رهبة الأماكن المزدحمة بالبشر، التأخر في الرد على الرسائل بحثًا عن الرد المثالي، وحتى كتمان كل مشاعرهم العميقة تجاه من يحبون داخلهم، وكراهية الخروج بعيدًا عن مناطق الراحة. تسامحت مع نفسي كثيرًا حين قرأت المقال يا رفعت. هذه طبيعتي، هذه أنا. بإمكاني خلق عالم كامل في غرفتي، وقضاء وقت ممتع جدًا بصحبة نفسي، أو شخص أطمئن له كنفسي. كنت في الأيام الأخيرة أفكر كثيرًا في تلك الضغوط الجديدة التي يحاصرك بها المجتمع: إذا لم تسافر فأنت شجرة، إذا لم تخرج للمطاعم فأنت بيتوتي غريب، إذا لم تذهب للسينما فأنت لا تفهم معنى هذه المتعة، إذا لم تخرج في عطلتك الأسبوعية فأنت شخص كئيب غريب الأطوار، وبالطبع إذا لم تحضر حفلا واحدًا فبالتأكيد لا تنتمي لهذا الزمن.
أشعر بالغربة وسط كل هذه الخيارات / المسارات الإلزامية للاستمتاع بالوقت، وأشعر بالخوف لمجرد تخيل أن يكون هذا هو أسلوب حياتي.
بمناسبة الحياة يا رفعت، أصبحت أيضًا أكثر تصالحًا مع الوضع الحالي باعتباره مؤقتًا ولكنني لا أعرف متى أشعر أن ما أعيشه ليس مؤقتًا وأن هذا الشكل الذي ستستمر عليه حياتي؟ أعني: متى ألتقط أنفاسي وأتنهد وأشعر أنه الآن يمكنني أن أسند ظهري للوراء وأستريح؟

0 comments:

Post a Comment