إلى رفعت.. "الرسالة 54"



كل صباح أتفقد النبتة الصغيرة في الشرفة، اطمئن أنها بخير، امنحها بعض الاهتمام لأشعر بالرضا عن نفسي، ثم أبدأ يومي المليء بالمهام غير المكتملة والشعور بعدم الإنجاز.
أتأمل في قصة النبتة كثيرًا يا رفعت، كانت مجرد حبة طماطم تالفة، كعشرات غيرها لا أعرف يتلفها شعوري بالاستهلاك / كسلي عن إعداد الطعام، أم أتلفها من البدء الطموح الزائف الذي أغراني بشرائها لأنني توهمت أنه بعد هذا اليوم الطويل سأتمكن من الوقوف عدة ساعات أو حتى دقائق في المطبخ للطهي.
المهم أن هذه النبتة كانت منذ شهور مجرد شريحة من حبة طماطم تالفة اخترتها عشوائيًا لأغرسها في التربة وأمنحها دفعات من الاهتمام والرعاية لتنبت ويكتب لها عمرًا جديدًا، وتتحول من جزء من القمامة إلى نبتة خضراء يانعة تعدني بالثمار في وقتٍ قريب. كان ما حدث أشبه بالمعجزة وتغيير جذري في مسار حياة حبة الطماطم هذه. ولو أنني قررت الكتابة عن هذه النبتة قبل شهور، لقلت إن كثيرين منا يتمنون هذه المعجزة؛ يحلم الواحد منا - بعد أن استهلكته الحياة وأتلفت قلبه الخيبات - لو يظهر من يختاره، هو بالذات رغم كل هذا الخراب، ويمنحه الكثير من الرعاية والاهتمام لينبت من جديد ويمنحه حياة أخرى.
ولكنني الآن أنظر للنبتة وأنا أعرف جيدًا أنني لم أمنحها ذلك الاهتمام لأجلها وإنما لأجلي، لأنني أفتقد ذلك الشعور بالفخر والإنجاز وأنا أراها تنهض أمامي كالعنقاء من الرماد، غرستها في الأرض وتركتها تشق بذرتها، تحفر جذورًا عميقة، تمتص ضوء الشمس وتحوله لغذاء، تبذل مجهودًا مضاعفًا لتشق سطح التربة وتخرج خضراء مستقيمة وقوية، فعلت هي كل هذا وأنا من يشعر بالإنجاز كل صباح!
الآن يا رفعت أنظر إليها وأنا أدرك أنها لا تعنيني بذاتها حقًا؛ أنا فعلاً أهتم بها، أحبها وأفرح لأجلها وأتابعها بشغف لأنني بشكل ما أعتبرها معجزتي وإنجازي الخاص، لا لأنني أهتم لأمرها، لم يكن سيختلف الأمر كثيرًا لو كانت نبتة طماطم أو نعناع أو حتى صبار، المهم أنها تجيد ما تفعله، تشعرني بالرضا عن نفسي، بأنني قادرة على المنح، قادرة على الاهتمام وأن هناك من يحتاج لرعايتي، بدليل ذبولها إن غبت عنها أو نسيتها يومين وربما موتها لو غبت للأبد!
لهذا يا رفعت لم يعد بوسعي أن أرى الأمر بالرومانسية القديمة، لن أتمنى أبدًا أن تحدث معي المعجزة نفسها، أن تمتد يد - تفتقد الشعور بالإنجاز - لتنقذني، تمنحني القليل من الرعاية والاهتمام في مقابل أن أحسن التصرف، أخوض معركتي تحت الأرض وفوقها ببراعة، لتشعر هي بالفخر!

0 comments:

Post a Comment