إلى رفعت.. الرسالة 52


"عن إحساس الإكسبلورر وانت بتفتحه عشان تحمل جوجل كروم" نشرت هذه العبارة العام الماضي يارفعت كمزحة، ولكنها الآن إبرة تنكأ جرحًا قاسيًا جدًا. 
كلنا نرتكب هذه الجريمة بحق أحدهم وكلنا ضحاياها من آخرين. وهؤلاء الذين يؤلمهم أكثر من اللازم كونهم غير مرئيين يحاولون أن يثبتوا وجودهم في هذا العالم بأي طريقة. لكلٍ منا طريقته التي يصرخ بها لعل أحدهم يراه، بعضهم يصرخ بالقسوة والآخر بمحاولات إرضاء الجميع وثالث بالحرص دائمًا على أن يثبت لك في كل لحظة أنه يفهم أكثر وأنك أحمق. وفي النهاية يصبح لدينا هذا العالم القاسي المليء بالمساكين شديدي الفظاظة والقسوة والهشاشة أيضًا. وأنا يا رفعت دائمًا ما أتأرجح بين الشعورين، بين الذعر لأنني غير مرئية والرغبة المستمرة في أن أختبئ.
 ولكن ما يؤلمني أكثر منهما ألا يراني أحدهم أبدًا ويعتقد أنه يفعل، ويظل قبولي مرهونًا بألا أخرج أبدًا عن إطار تلك الصورة التي لم أضع فيها خطًا واحدًا. 

قيل لي أن أعظم درجات الحب التي يمكن أن يحملها أحدهم لك هو أن يقبلك كما أنت، وهذه في الواقع أقصى درجات الأمان التي يرتكب الكثيرون أطنانًا من الحماقات بحثًا عنها. 

...
تقول الصديقة التي أثق برجاحة عقلها أن هذا الشعور الصارخ بأن الحياة ليست على ما يرام وأنها أكثر تعقيدًا مما ينبغي يرجع إلى لهاثنا وراء الكمال والرغبة المحمومة في السيطرة، أتفق معها وأنا أراجع ما يحكونه لي عن الحياة قديمًا، كانت عبارة عن سلسلة من الأخطاء الفادحة التي لا يقابلها إلا القليل من العقد البسيطة، أقارن ذلك بعشرات المقالات التي ترتطم بها عيني عن العلاقات الصحية والتربية الصحيحة وأصولها وضرورة التدقيق في كل تصرف يصدر عن طفلنا وكل تصرف آخر يصدر عنا تجاهه، ضرورة تحميل كل لحظة بالرسائل والتدقيق في الرسائل التي يتضمنها كلام الطفل وتصرفاته وشعوري بالانزعاج من هذه الحياة البلاستيكية التي يفترض أن نعيشها حتى مع أطفالنا أملاً في الكمال المنشود في التربية، ورعبًا من كل التشوهات النفسية بداخلنا التي يردها علماء النفس لأيام الطفولة. 
أقتنع بوجهة النظر هذه ولكنني حين أفكر في أن عشرات المشاكل والعقد الضخمة كان يمكن تفاديها بتصرف صحيح واحد قديمًا يا رفعت أشعر بالقلق: هل حقًا لا نملك إلا خيارين؟ إما تلك الحياة البلاستيكية التي تشبه المشي في حقل ألغام أو أن نفاجأ ذات يوم بأننا على حافة الهاوية لأننا لم ننتبه في الوقت المناسب لكل تلك الانحرافات الصغيرة عن المسار وفضلنا أن نستمتع بالحياة كما هي؟

0 comments:

Post a Comment