إلى رفعت.. الرسالة 48

لا مذاق لي يا رفعت. كل تلك الخيارات التي يرسمون من خلالها صورتي، حتى التي أخذتها بنفسي، لا تشبهني، هي أشبه بالحدود التي وضعوها لي وعودت نفسي أن ألتزم بها لأنني منهكة جِدًّا ولا أريد أن أخوض معركة أخرى، يمكنني أن أعيش دون حسمها، وأركز طاقتي لمعارك أخرى أكثر أهمية.
أنظر في عيونهم، أعرف أن تلك التي يرونها ليست أنا. أشعر بالخيبة أحيانًا أتمنى لو أفتح عيونهم على وسعها وأجبرهم على رؤيتي، وأحيانًا أكتفي بثقب نافذة إلى قلبي كي يروا وجهًا لا يلمحونه دون مساعدتي.
أحيانًا أشعر بالسخط، ألعنهم لأنهم لا يبذلون جهدًا كافيًا لرؤيتي كما أنا، على حقيقتي، ثم أخبر نفسي بأنني في موضعهم لن أبذل ذلك الجهد الذي أنتظر أن يبذلوه لأجلي. أنا في النهاية شخص غير مثير للاهتمام للوهلة الأولى.
وأحيانًا أخرى لا أبالي، أنظر للصورة الوهمية في عيونهم وأسايرهم وأنا أضحك لنفسي من حماقتهم. ولكنني، أعترف، أحيانًا أخاف أن يكونوا هم على حق، وأنا الحمقاء التي لا تعرف نفسها.
أتأمل حساب ذلك الزميل على "انستجرام" يبدو وسيمًا واثقًا في الصور. ابتسامته لا بأس بها، مسماه الوظيفي يبدو جيدًا، يؤمن بأنه يجيد عمله وكثيرًا ما يتحدث عن ذلك، حتى أمامنا نحن الذين نعرف الحقيقة كاملة. أتساءل هل يعرف الآخرون، الذين لا يرون منه إلا الصورة، أن رائحته مزعجة وأن قدراته محدودة وأنه لا يحظى باحترامنا؟
الوسيم الآخر الذي يعرف أنه وسيم ويتعامل مع أي فتاة باعتبارها واحدة من معجباته، هل تعرف الفتيات اللائي يتساءلن بحسرة عن سر عزوبيته إلى الآن أن عقل الطفل أكثر نضجًا منه وأنه مغرم بالخلافات الصغيرة والمشاكل التافهة وأن أي كلمة تعبر أذناه لابد وأن ورائها مؤامرة؟ أشعر بالرعب وأنا أفكر في هذه المفارقات، في المسافات التي تجعل الصور مخادعة أحيانًا وأكثر وضوحًا في أحيانٍ أخرى. والقرب الذي يخفي عنا الكثير من التفاصيل، والزاوية التي ننظر منها والتي توهمنا أحيانًا بأن المشهد بانورامي أمامنا في حين أنها في النهاية مجرد زاوية للرؤية لا أكثر.
في طفولتي كنت أصدق بانبهار ما يقوله الآخرون عن أنفسهم، أشعر في الوقت نفسه بالضآلة لأنني لا أملك يقينا مشابهًا تجاه نفسي. حين كبرت وأصبحت أميز الفرق بين ما يقولونه والحقيقة أصبحت أشعر بالخوف من أن أملك مثل هذه الثقة التي تجعلني أبدو حمقاء في عيون الآخرين، الذين يرون الحقيقة التي لا يمكنني رؤيتها. كل ما أقوله عن نفسي، لا عن مشاعري، أحرص أن يكون مصحوبًا ب "ربما" و "أعتقد" أو "هكذا أرى" لأمنح نفسي خطًا أخيرًا للرجعة "على الأقل لم تكن أكيدة تمامًا".

0 comments:

Post a Comment