إلى رفعت.. الرسالة 42


كيف يحدث أن نفكر أكثر من اللازم ولا نفكر أبدًا يا رفعت؟ رأسي تدور كتروس آلة متآكلة تدور طوال الوقت ولكن لأنها تآكلت أصبحت أبعد من أن تتلامس فينتج عن هذا الدوران شيئًا. أحتاج للتفكير في عشرات القرارات والمسارات ولا أعرف هل فعلاً لا أملك الوقت ولا الطاقة لأفعل ذلك؟ أم أنني لا أملك الشجاعة فأتهرب من هذه المواجهة مع نفسي حتى يحدث الله أمرًا.
لاحظت يا رفعت أن أكثر شخصية تسبب لي الإزعاج في الأيام الأخيرة ولأكثر من شخص حولي هي شخصية تشبهني، أو بمعنى أدق عيوبها تشبهني. كنت أتأملها في صمت وأنا أضع يدي على عيوبها الواضحة جدًا وأعرف جيدًا أن الكثير منها في الواقع عيوبي. تمنيت من الله أن يساعدني على تجاوز هذه العيوب وإصلاحها أو على الأقل أحرص ألا يتجاوز تأثيرها حياتي أنا؛ سأحرص يا رفعت أن أذكر نفسي بهذه الفكرة كي لا أنساها يومًا وأجد نفسي نسخة سيئة من نفسي أو من هذه الشخصية بعد سنوات وأنسى تمامًا كل شيء عن العيوب التي تسبب ضررًا فادحًا وملحوظًا للآخرين.


****


أمس الأول كنت أتذكر واحدة من القصص المخيبة التي مررت بها، كنت أحكيها لصديقتي وأنا أضحك، كنت أضحك فعلاً من قلبي وهذه ميزة منذ اكتسبتها أصبحت أقوى، أصبحت لديّ قدرة رائعة على سرد كل خيباتي والمواقف المزعجة والمحرجة التي مررت بها وأنا أضحك حتى تدمع عيني وكأنني أشاهدها في فيلم. أضحك ببالٍ رائق وكأنني أعرف نهاية الفيلم ومطمئنة تمامًا أنه لا مكروه سيصيب البطلة.فكرت أمس أن أكتب هذه القصص كلها كي لا أنساها يومًا، وربما استخدم واحدة منها أو أكثر في الكتابة، للمرة الأولى أفكر في هذا الأمر وأضع في حسباني أنه يومًا ما ستغيب هذه القصص من ذاكرتي وتحل أخرى محلها. كنت سابقًا اتخذت قرارًا مؤجل إلى أجل غير مسمى بأن أكتب لنفسي عن كل شخصية غير تقليدية قابلتها في حياتي. واكتشفت أن كل شخصية قابلتها هي بشكل ما غير تقليدية حتى الشخصيات التي بدت لي مسطحة تمامًا اكتشفت في لحظة ما أن لها أبعاد أخرى وأنني فقط لا أنظر لها من الزاوية المناسبة. اكتشفت أيضًا أنني قابلت في حياتي، التي تبدو لي هادئة جدًا، عدد كبير من الشخصيات في وقت قصير، وهذا سبب مهم أيضًا للكتابة عن كل منهم.
إلى جانب الكتابة عن كل هذه الشخصيات يا رفعت أظن أن عليّ الكتابة عن كل شخصياتي، عن كل المراحل التي مررت بها وتركت على عتبتها شخصية مختلفة، تختلف في مواطن قوتها وضعفها، في نظرتها للحياة، وفي الطريقة التي تتعامل بها مع الآخرين وحتى في الطريقة التي تضحك بها. لا أعرف متى تتوقف شخصيتي عن التغير كملامح طفل حديث الولادة تأخذ شكلاً جديدًا من وقت لآخر، لا أعرف هل يرتبط هذا بسن معينة أم بخبرات معينة؟ لا أعرف هل أريد فعلاً أن يتوقف هذا التغيير أو التطور؟ أشعر بفضول شديد نحو إجابات كل هذه الأسئلة.

هامش:
بمناسبة هذه الصورة يارفعت، في طفولتي أخبرني شخص لا أذكر من هو، أو ربما كان خيالي، أن هذه الزهرة البيضاء تتحول إلى فراشة وتطير في لحظة ما. كنت أصغر من أن أدرك الفرق بين النبات والحشرة وبدا لي الأمر ممكنًا خاصة أنني كنت أرى فراشات بيضاء بالقرب من هذه الزهور، بدا الأمر منطقيًا أيضًا بما أن الدودة يمكنها تتحول إلى فراشة فماذا يمنع الزهرة؟
قضيت أعوامًا يا رفعت في طريق ذهابي وعودتي من المدرسة أتمنى من الله أن يجعل هذه المعجزة تحدث أمام عيني.. حتى حين أخبرني شخص، لا أذكره أيضًا، أن هذا مستحيل..

إرسال تعليق

0 تعليقات