إلى رفعت.. (الرسالة 38)



الصغير الذي لم يعرف بعد معنى المسارات الإجبارية للحياة أدمى قلبي بالسؤال الذي أطرحه على نفسي خلسة مئات المرات "مش هتقعدى معانا للعيد الصغير ليه؟". في كل مرة أغادر البلدة الصغيرة اتساءل ماذا أفعل لأترك ورائي أمي وصغار أخي وكل هؤلاء الذين أحب من أجل الدوران في طاحونة القاهرة المجنونة؟ واتساءل مرة أخرى: لو تركت هذه الطاحونة المجنونة هل أكون فعلاً كما يحبني الآن؟ أدرك بصدق قيمة كل لحظة أقضيها معه بعيدًا عن الصخب وأدرك أن لديّ معه القليل من الوقت يجب أن أستثمر كل ثانية منه؟
أراهن في كل مرة أغادر فيها في الصباح الباكر، قبل استيقاظهم، على ذاكرة الأطفال التي أتمنى أن تكون ضعيفة أو تزدحم على مدار سنوات العمر بالأحداث، أراهن على أنه حتمًا سيكبر ويفهم؛ ولكن كل المشاهد التي تأبى أن تغادر ذاكرتي من الطفولة تواجهني بوضوح بأنني أخدع نفسي وأخدعه.
لا أعرف لماذا تضعنا الحياة في هذا المأزق دائمًا إما نكون أنفسنا وعلى الصورة التي نحبها ولكننا لا نملك من الوقت ما يكفي لنرى الحياة بتلك العيون التي نحب، أو نملك الكثير من الوقت الذي لا نعرف كيف نقتله والكثير من عدم الرضا والكثير من الأفكار غير الجيدة التي لا تفعل شيئًا سوى قتل ثقتنا بأنفسنا.
أخشى أننا من نضع أنفسنا في هذا المأزق دائمًا لأنه ليس بإمكاننا أن نكون أنفسنا ونعيش الحياة في الوقت نفسه، أو لأننا نخاف ألا نجيد أن نعيش الحياة فعلاً فنختبئ وراء مبررات وحجج واهية ونزعم أن أشياء مهمة جدًا وصارمة جدًا تحول بيننا وبينها، وأنه فقط حين نقوم بكل هذه الأشياء الضرورية على أكمل وجه سنعيش الحياة على أكمل وجه.
****
اليوم بكى الصغير مرة أخرى وربما تساءل بينه وبين نفسه ماذا في الدنيا يساوي أن أتركه وحده وماذا في القاهرة يغريني أكثر من البقاء قربه، وأخشى إن واجهني مرة بأسئلة الأطفال البريئة جدًا، المباشرة جدًا أن أعجز عن الإجابة.
كنت أحاول كتابة هذه الرسالة يا رفعت منذ عدت من عطلة العيد الأخيرة وأفشل في إتمامها؛ أفشل في التركيز فيما أريد أن أقول وخيط الحكي يتقطع تمامًا مثلما يحدث حين أتحدث مع صديقتي وأنا مشغولة بالتفكير في شيء آخر، وأنا لا أفكر في أي شيء آخر الآن ولكن أشعر أنني في منتصف الكثير من الأشياء. أفكر لو أنني ربطت خيطًا على إصبعي لأذكر نفسي بكل تلك الأشياء الضرورية التي يجب أن أتذكرها خلال اليوم لتحولت إلى بكرة خيط ملبكة كأنها كانت بين يدي قطة.
عدت من جديد للورقة والقلم في محاولة استرجاع تركيزي، قررت قبول العديد من الأشياء المزعجة كتحديات وإخراج كل ما لديّ من طاقة في تخطي هذه التحديات. أشعر بالرضا والكثير من الثقة، في نفسي وقبلها في اختيارات الله لي وخططه المرسومة بعناية. قابلت قبل أيام ذلك العراف الذي قال لي حين التقاني للمرة الأولى إنني في كل مرة تضيق بي السبل ثم ينقذني الله في اللحظة الأخيرة. أصبحت أركز جدًا من وقتها في كل مأزق أمر به ووجدت أن هذا يحدث فعلاً، أصبحت أتعامل مع تلك المواقف المزعجة بتوتر أقل قليلاً وأنا واثقة أن الله سينقذني في اللحظة الأخيرة. هذه المرة لم أسأله شيئًا وتجنبت الانفراد به، كان لديّ شعور غريب بأن كل ما أريد أن أعرفه موجود داخلي وكل ما هو دون ذلك لا يهم.

0 comments:

Post a Comment