إلى رفعت.. الرسالة 28




هل تعرف ما معنى أن أكتب لك في هذا التوقيت يا "رفعت"؟ للمرة الأولى أترك كل شيء وأسدل فقاعة زجاجية حولي وأتظاهر بأنني لا أعبأ بكل هذا الضجيج والصخب حولي وأكتب لك.
بالأمس، فعلت كما أفعل كل يوم، كنت ممتلئة بالكلام والأفكار حتى أنني كتبت السطور الأولى في رسالة إليك داخل عقلي وكررتها مرارًا ولكنني لم أكتبها أبدًا، فعلت ما أفعله كل يوم ووضعتك / ووضعت نفسي في مؤخرة قائمة مهامي اليومية.
قفزت لذهني بالأمس عبارة صديقة، تندهش لما بدا لها من صلابتي وصرامتي في التعامل مع مشاعري بهدوء وبرود جراح، وأنا نفسي اندهشت وأنا أفكر في الأمر نفسه، وتساءلت مرارًا متى تخليت عن صبيانية الأطفال ورغبتهم السخيفة في التمسك بما لا يملكونه؟ ولا يمكن أن يملكونه؟ هل هو الخذلان في الأحلام التى تمسكت بها ولم تتمسك بي بالدرجة نفسها؟ أم تلك الصورة التى لا تفارق ذهني عن الأشياء التي أحيانًا ما يدمينا تمسكنا بها؟ أم أن السبب هو أحلامي التي تحقق كما تمنيتها وسعيت إليها بدقة تامة ولم تمنحني سوى التعاسة؟
هل يسمى هذا نضجًا أم أنني شخت؟ أو أنا فقط متعبة ولا أريد المزيد من المعارك؟ لا أعرف ولكنني أعرف جيدًا أنه لم تعد لدي أي رغبة في التمسك بأي شيء / شخص، أريد أن يمر كل هذا، أن يمر كل شيء ولا أريد من الدنيا سوى تلك اللحظة النادرة التي شعرت فيها بالسكينة الحقيقية، لا شيء لي ولا شيء عليّ ولا أنتظر أحدًا. لا أريد من الدنيا سوى هذا السلام يا "رفعت"، ولكنني لا أعرف إلى متى سيظل هذا مقنعًا بالنسبة لي.
أشعر بالحيرة يا "رفعت"، أنا التي تؤمن بأنه "كل شيء يحدث بسبب ولسبب*" لا أجد تفسيرًا لكل هذا الذي حدث، وما زال يحدث، لا أعرف سر وجود ذلك الخيط الممتد الذي يصبح تارة واهيًا جدًّا وأراه تارة طوق نجاة. لا أفهم شيئًا ولكن كل ما أعرفه أنني لستُ نادمة. بتسامح تام أصبحت أتعامل مع كل ما مضى يا "رفعت". لم أعد ناقمة ولا غاضبة وكلما تذكرت ما ضاع أجد نفسي تلقائيًا أتذكر أنني كنتُ سعيدة في لحظة ما، وأن هذا كان جيدًا.
بالأمس أيضًا يا "رفعت"، وجدتني أشعر بالرضا، كررت لنفسي "سلامًا على ما صنعتِ بنفسك من أجل نفسك**" وابتسمت. هل تذكر ذلك الشعور بالرضا الذي كتبت لك عنه قبل شهور؟ ما أشعر به الآن يشبهه، كانت روحي وقتها أخف، ولكنني أشعر بأن هذا الرضا الذي أشعر به الآن ليس مرهونا بوجود ولا غياب أحد.
"... ولما تفرق الذين اجتمعوا حولي.. ولما وجدتُ نفسي وحيدًا.. اكتملتُ في تمامي" ***



(*) ساق البامبو  (**) محمود درويش  (***) بهاء طاهر 

إرسال تعليق

0 تعليقات