إلى "رفعت".. الرسالة (20)



هل هو النضج يا "رفعت"، أم كثرة الخيبات التي تمنعنا عن التشبث بما نريد كما ينبغي؟ نتظاهر بالزهد فيه كي نحفظ ماء وجهنا أمام نفسنا أولًا، ثم أمام الدنيا حين يخذلنا ما نريد ولا يكون كما ظننا أو ببساطة.. لا يكون لنا.
في الرابعة من عمري لقنتني الحياة الدرس الأول في وجوب التخلي. فردة الحذاء التي لم أتخل عنها حين انسلت من قدمي، تركت جرحًا لن أنساه بسهولة، كنت أصغر بالتأكيد من أن أنتبه إلى أنه في لحظة ما، وأنا أجري بسرعة معينة، لا ينبغي أن أحاول استعادة ما يسقط مني لأن خسارتي ستكون أكبر بكثير منه.
كنت أصغر من أن أفهم أنه لا ينبغي أن أنظر ورائي، ولا أفكر في ما فقدت وأن أستمتع بالرحلة، وأجازف بالاستمرار بما تبقى مني كي لا أفقد توازني، وأخسر كل شيء.
لكنني لم أفهم يا "رفعت". ظللت حتى وقت قريب أتشبث بما أريد حتى اللحظة الأخيرة. حتى لو فقدت الشغف به، فقط لأنني أتحدى الدنيا ولا أريد أن أخسر أمامها.
منذ أيام، ذكرني "فيسبوك" بعبارة كتبتها حين رأيتها في هذا التوقيت تحديدًا ابتسمت بسخرية، كنتُ بكل غباء وسذاجة أواصل تحدي الدنيا في التمسك بما لم أكن متأكدة وقتها هل أريده فعلًا أم لا !
وأمس ذكرني "فيسبوك" مرة أخرى، بما كتبته سابقًا عن النضج الذي يجعلك أعقل من أن تجزم بشيء ما، بـ"ربما" التي تسيطر على كلامك و"أكيد" التي تتلاشى تقريبًا. عن هذه اللعنة حين تلحق بالأشياء التي تحبها، وتشعر بالخوف أو التردد "هل أحبها فعلًا أم أتوهم ذلك؟"..
هذا التردد الذي يجعلك تصمت طويلًا في سجودك، تتضارب في قلبك الأمنيات، ولكنك تخشى أن تطلبها من الله علها تتحقق يومًا وتصبح لعنتك! تقارن ذلك بلسانك الملهوف الذي دعا الله طويلًا بأشياء ترتجف هلعًا الآن من تخيلها لو حدثت.. تشعر أنك في سنوات سذاجتك تلك كنت أفضل.. كانت الحياة بالنسبة لك أسهل كثيرًا..
تؤمن في داخلك بأن كذا وكذا لو حدث ستكون سعيدًا. هكذا ببساطة. وإن لم يحدث ستكون تعيسًا. بالبساطة نفسها.
لكنك الآن لا تعرف حقًّا إن حدث ذلك هل تكون سعيدًا؟ وإن لم يحدث هل هذا سبب تعاستك حقًّا؟ هل الأمر بهذه البساطة وهل المعادلة بذلك الوضوح أم أن طرفًا خفيًا في المعادلة يظهر في اللحظة الأخيرة ويقلب الموازين كلها؟
هذا التفكير يا "رفعت"، يأكل روحك حقًّا. يجعلك تتمنى لو أنك واحدًا ممن لا يحلمون بأكثر من أن ينقضي يومهم وكفى. بلا أسئلة كبيرة ولا الكثير من الحيرة. تشعر أنهم يعيشون حقًّا يا "رفعت"، بينما أنت تتعامل مع الحياة كمسرح جريمة، تتحرك داخله بحذر، وتتفحص كل شيء حولك كدليل أملًا في الوصول إلى حل اللغز دون التورط فيه!
23 May  2016

0 comments:

Post a Comment