إلى "رفعت".. الرسالة (16)


للمرة الأولى يا "رفعت"، آتيك دون أن أكون مُحملة بالخيبة. ذلك الشيء، الذي سُلِب من روحي دون أن أعرفه، بدأ يعود. أشعر بالفرحة، لكن رغم كل شيء يشوبها بعض الخوف. حين تمرض وتكون على حافة الموت يا صديقي ربما لن تفزع بقدر ما يفزعك أن يتحسن كل شيء فجأة، دون سببٍ واضح ودون أن تفعل شيئًا. هذا بالتحديد ما أشعر به الآن.

الحياة تُحسن إليّ بشكل لم أعتده هذه الأيام، وبدلًا من الاستمتاع بهذا التحسن وحالة الرضا، أترقب ضربتها القادمة. وهذا هو التعريف الحرفي للغباء. ولكن رغم كل شيء يا "رفعت"، ورغم كل هذا الخوف، أشعر بأنني أقوى. شيء ما داخلي يطمئنني.. "بعد أن خبرتِ كل هذا البؤس لا شيء قادر على إزعاجك"، لكنني سرعان ما أسكت هذا الصوت في داخلي وأحذره أن تسمع الدنيا هذا الهذيان فيستفزها ذلك لتحديه.
المهم، لنعد إلى موضوعنا يا "رفعت"، حاولت الكتابة لك قبل أيام، لم أنشغل عنك في خضم هذه الهدنة بيني وبين الحياة. كنت أود أن أحكي لك الكثير لكن لم يسعفني الوقت. فضلت أن أستمتع بالحالة عن الكتابة عنها، ولا يمكنك لومي يا عزيزي، فحين تضع أمامي دجاجة وأنا أتضور جوعًا لا تنتظر مني أن أتفحصها بكبرياء وأصفها لك قبل أكلها.
بشكل ما أشعر أن ما أُهدِر من كرامتي عاد يا "رفعت"، شعوري بالرغبة في أن ألطم أحدهم على وجهه وأخبره بصراحة عن رأيي به قل بعض الشيء، عوضتني تلك الصفعة غير المباشرة، وأرضت غروري كثيرًا.
ولسبب لا أفهمه يا "رفعت"، وصلني ذلك البريد من شخص ربما لم يؤذني بالدرجة نفسها، لكن رده الجاف الصارم على بريدي المنبهر العفوي صدمني من وقتها، وتطلب الأمر مني سنوات قبل العودة لحروفه مرة أخرى بعد أن قررت أن أستمتع بكل ما يمكنني أن أستمتع به حتى لو كان وراءه وغد.
هذا البريد المفاجئ والعفوي الذي وصلني بعد أن أصبحت أنا نسخة قريبة الشبه منه أسعدني، ولكنني ضبطت نفسي متلبسة بمحاولة ادعاء النضج، أخفيت انبهاري وفرحتي واحتفظت بها لنفسي، رددت ردًا محايدًا ليس وقحًا وليس مرحبًا أيضًا، والغريب يا "رفعت"، أن رده كان أكثر عفوية مما توقعت! رد فعلي الجاف الصارم قوبل بمحاولة لجذب أطراف الحديث، ضحكت طويلًا واندهشت من هذه اللعبة التي نحب أن نمارسها مع الناس ثم نتهم القطط (وحدها) بأنها تحب "خناقها".
أشعر بالسعادة أيضًا يا "رفعت"، لأنه للمرة الأولى تتحقق أحلامًا تمنيتها طويلًا وتخيلتها مستحيلة بهذه البساطة. اعتدت دائمًا أن أتعب في مطاردة أحلامي لدرجة تجعلني أزهدها حين تتحقق، وللمرة الأولى، وبشكل غير متوقع أبدًا، شعرت بلذة تحقق الأحلام بهذه البساطة.
أشعر بالرضا يا "رفعت"، لأنني أكتشف تدريجيًا أن ما فعلته لسنوات طويلة لم يذهب أبدًا هباءً. في كل لحظة أكتشف، بالصدفة، وأحيانًا ببعض البحث أنني لم أضع وقتي هدرًا.
أشعر بالسعادة منذ قرأت هذه العبارة التي كتبها لي صديق أثق به "فكري كدا المكان اللي انتي فيه دلوقتي، هو كبير على فتاة نشأت في طنطا ومالهاش ضهر ولا واسطة، وشقت دا بدراعها ومدونتها"، منذ كتبها ارتسمت على وجهي ابتسامة واسعة يا "رفعت"، لا تزال موجودة حتى الآن، كلما خفتت أعيد على نفسي العبارة نفسها وأبتسم.
أشعر بالرضا يا "رفعت"، لأنني للمرة الأولى من سنوات.. أشعر بالثقة. وهي بالنسبة لي قيمة أكبر كثيرًا من مجرد ثلاثة أحرف. وأعرف جيدًا كم بذلت من روحي، وكم شعرت بالتعب حتى أصل لها.
أشعر بالرضا يا "رفعت"، لأنني أخيرًا شعرت بالرضا، وهو أفضل من السعادة بكثير، وأكثر واقعية منها.
1 April 2016 

0 comments:

Post a Comment