إلى رفعت.. الرسالة 14




ننسحب من بعض المعارك يا "رفعت"، ويظنون أننا فعلناها لأننا أضعف، لا يفهمون أننا مللنا الحرب وأن بعض الأشياء إن لم تأتِ بسلام فهي لا تستحق عناء المحاولة.

أراقب هوسهم المحموم للمعارك والمنافسة وأعجب من كم الطاقة التي يملكونها ليهدروا منها كل هذا في المعارك ويظل لديهم ما يكفي من الطاقة ليفتحوا عيونهم صباحًا ويدخلوا معركة جديدة.
أتساءل، وللمرة المليون أدرك أن مشكلتي الكبرى في أنني أقارن وأتساءل، ولكنني لا يمكنني أن أمنع نفسي من التساؤل عن المخطئ فينا؟
أحيانًا أراهم لا يأخذون الحياة بالجدية اللازمة، هذه المجازفة وهذا الهراء يعني أنهم بالتأكيد لا يدركون قيمة هذه الحياة التي يهدرونها في المعارك المستمرة. ولكن بالمزيد من التفكير أرى أنني أقل نضجًا من أن أفهم الطريقة التي يديرون بها الحياة، أشعر بأنني أتضاءل وأنهم وحدهم يدركون ما يفعلون حقًّا. أتذبذب بين الإحساسين وأشعر بالدوار وتتراقص الصورة أمامي تارة أراهم عمالقة وتارة أخرى أقزامًا.
لو أنني كتبت هذه الرسالة قبل أيام يا "رفعت"، لقلت لك أن هذه الحيرة تشعرني بالخوف، وأنه يجب أن أدرك في وقتٍ ما من منا المخطئ، ولكنني لسبب لا أفهمه لم أعد أكترث. لم يعد يهمني كثيرًا هل أنسحب من هذه المعارك ترفعًا أم جبنًا، ولكنني أعرف جيدًا أنه لو منحت الخيار مرة أخرى، سأختار الانسحاب.
مرة أخرى شردت، ونسيت السبب الذي أكتب لأجله هذه الرسالة يا "رفعت"، وهو أنني أشعر بالسخط وأنا أقدم للعالم كل يوم أحمقا جديدا، أمنحه تمامًا ما يريده، أنصب له ساحة الاستعراض، وأتراجع لأشاهد الجمهور يصفق له منبهرًا. أتمنى لو أنهم يخدعونني كي لا أشعر بأنني بهذا السوء! ولكنهم للأسف لا يفعلون وأنا أدرك تمامًا الحقيقة.
قبل أسابيع يا "رفعت"، واجهت حقيقة ما أفعله بشكل مجرد وصادم للغاية، رأيتنا أشبه بالذباب الذي يتبع الجثة ويحوم حولها، فكرت ألف مرة في المشهد الذي أنا هذه المرة جزء منه، وتساءلت هل أتمنى أن تكون قصتي مشابهة ؟ ورغم أن الإجابة بلا كانت قاطعة إلا أنني لم أغير شيئًا حيال الطريق إليها.
هذه الأيام أمضي غالبية وقتي مع هذا المخبول "هاوس"، يشبهك كثيرًا ولا عجب أنني أحبه، حتى أنني أصبحت أشك بأنني مثل "ويلسون" أو "كاميرون" مريضة بحب من يحتاجون إليّ ويعيشون في تعاسة محققة، المهم أنني أراقب هذا المخبول غير الاجتماعي وأراقب بقلق أنه يروقني، أفكر في حياته التي انتهت تقريبًا ولا يبقى منها سوى العمل، وأتساءل بقلق عن الفارق بيننا فلا أجد فارقًا سوى أنني حتى لم أصل لبراعته في عملي.
هذا البريق للمهارة التي نتمتع بها فنبدو للآخرين كسحرة مدهشين، مخيف حقًّا، يجعلنا نشعر أحيانًا أن الجميع بإمكانهم أن يغفروا لنا كل شيء طالما لا يزال سحرنا هذا متوهجًا، نهرب من الآخرين لأننا نخشى أن نحتاجهم، ونعرف أنهم لابد متواجدين بالقرب منا لأن سحرنا يجذبهم. نكتفي بذواتنا لأننا نخشى الخذلان، ونغرق في الكآبة كعقاب أبدي للنفس على ما تفعله مع الآخرين ولا نعرف لهذه الدائرة نهاية!
26 Feb. 2016

إرسال تعليق

0 تعليقات