إلى "رفعت" .. الرسالة (11)




في تلك الليلة حين ارتميت على الفراش وبكيت بحرقة كنت أشعر بقهر حقيقي يا "رفعت"، ليس فقط لأنني أشعر بأنني وحيدة في مواجهتهم، ولكن لأنني وحيدة في المطلق.
تلك الوحدة التي تعانيها "وحدك" ولا يدركها الآخرون، الوحدة التي تنبع من داخلك لأنك - رغم وجود الكثيرين ممن يريدون أن يكونوا سندًا حقيقيًّا لك - عاجز عن الاتكاء على أحد، عاجز عن البوح بما تعيشه، عاجز حتى عن تحديده.
طوال الوقت كان أسوأ ما يحدث في كوابيسي هو ذلك الخرس المصاحب للصدمة والرعب الشديدين، الخرس الذي يضاعف رعبي ويجعلني أفقد الأمل في الخلاص لأن أحدًا لن يعرف أنني في مأزق! الآن يا "رفعت"، أعيش هذا الكابوس طوال الوقت وإما أعجز عن وصف ما أشعر به، مهما تظاهرت بأنني أفعل، أو أعجز عن تحديده أصلًا.
أشعر بالذنب تجاه الأيدي الممدودة لتسندني فأردها خائبة. أشعر بالخوف والحزن كلما أدرك أنني وحيدة لدرجة أنني لا يمكنني أن أقول لأحد أنني حزينة بدون سبب وخائفة بدون سبب، وتعيسة جدًّا. وأشعر بالرعب كلما أدركت أنني نسيت كيف أستند على آخرين ولو للحظات ألتقط فيها أنفاسي لأواصل.
أواجه أزمة يا "رفعت"، في التفرقة بين أن أرتمي في أحضان آخر لأرتاح قليلًا وأن أتكئ عليه تمامًا فأبدو ضعيفة، فأكره نفسي، ويخذلني، أخشى ألا يمكنني إدراك الشعرة الفارقة بين السكن لآخر، وبين الاتكال عليه والخضوع له.
أفكر كثيرًا، لو أن هناك من يستعد حقًّا لأن يستمع لكل هرائي وهلاوسي عن مخاوفي التي لا أعرفها فعلًا وأسباب تعاستي غير الملموسة، هل سألجأ إليه؟ هل أملك الشجاعة للاعتراف بضعفي؟ يحكون أن أقصى علامات محبة القطط لك أن تكشف لك عن بطنها، تلك المنطقة التي تعتبرها أضعف ما فيها. فهل بإمكاني أن أكشف عن باطني؟ عن أضعف ما فيَّ لآخر؟
"مُهجة" عاتبتني أكثر من مرة، تقول لي: ”إنتِ اللي بتخلي الناس تتخيل إنك سوبر وومن“، أدركت أنها محقة من مدة، ولكنني قريبًا فقط أدركت أنني لم أصدِّر تلك الصورة للآخرين فقط، ولكن حتى بيني وبين نفسي.
أمي حين كانت تنساني في دعائها وأعاتبها كانت تقول لي "إنتِ ما يتخافش عليكي يا سارة"، الآن تدعو لي، ربما لأنني بعيدة، ولكنها لا تزال تظن أنني "ما يتخافش عليَّا".
أشعر أحيانًا أنني كذلك، ولكن يا "رفعت"، ليس شرطًا أن أكون ضعيفة لأحتاج للسند وللراحة. حتى الأعمدة الصلبة لا يمكنها أن تحمل بيتًا وحيدة، حتى الأعمدة المصبوبة من حديد وأسمنت، المغروسة بثبات تحت الأرض تحتاج أحيانًا للترميم، للرعاية، كي لا تنهار بما تحمله من ثقل.
 Nov. 2015 24

0 comments:

Post a Comment