ربح البيع يا دكتور ياسر

0

 في طريقي إلى طنطا، غلبتني الدموع داخل القطار، رغم كل محاولاتي للإلهاء؛ تارة بمحادثة مع صديقة تعلم جيدًا مدى صعوبة هذا المشوار، ومرة باللعبة التي أدمنها. رغمًا عني باغتتني ذكرى حديثنا الأخير حول "قطار الساعة ٤" وسر تفضيله السفر نهارًا. قلت له لو أنني متجهة إلى طنطا، لكنت بالطبع سأفضل السفر بالقطار. ولم أتخيل أن الرحلة القادمة بالقطار ستكون لوداعه!

مالت نحوي الفتاة في المقعد المقابل. ربتت على ركبتي وأمسكت يدي وهي تهمس في أذني: "ما فيش حد يستاهل الدموع اللي في عينيكي دي". رغمًا عني انفعلت، سحبت يدي وقلت بعناد طفولي غاضب: "لأ! يستاهل". كررت ربتتها على ركبتي وقالت وهي تبتسم بأسى: "صدقيني مايستاهلش"، فانفجر الدمع ثانية وأنا أؤكد لها: "طبعا يستاهل. دا أستاذي وأكتر من أبويا!".

لم يتسع الوقت ولا طاقتي لأعرفها عليه.

بالنسبة لمن حرمه الحظ من معرفته، هو الأستاذ الدكتور ياسر قنصوة، المفكر الكبير وأستاذ الفلسفة بجامعة طنطا. ولكن، يا لحزن من كان يومًا محظوظًا وعرفه! 

ياسر قنصوة ـ د.ياسر قنصوة ـ الدكتور ياسر قنصوة ـ ياسر قنصوه

كان أكثر من أن يمكن اختزال وصفه في بضع كلمات. حتى أنني حين يسألني أحد عمن فقدت، أتوقف للحظات عاجزة عن إيجاد وصف يعبر عن قيمته لدي وحجم فجيعتي فيه.

ما إن باغتنا الخبر الصادم برحيله المفاجئ حتى شعرت - وأثق أن هذا حال المئات من طلابه - باليتم الحقيقي. أما الأصدقاء والمعارف وزملاء الدراسة والعمل فحدث ولا حرج. كل منا عرف شكلاً جديدًا من الحزن يومها، ونوعًا جديدًا من الفقد ربما لم يختبره من قبل!

في جلستنا الأخيرة - التي للأسف لم أكن أعلم أنها كذلك - كنا نتبادل الحديث حول فنون مراوغة الحياة، وأخبرته عن خطتي الأخيرة للإلهاء، فبادلني بدوره سره الخاص، وأخبرني بروحه المرحة وعيناه تنطقان بالحيوية والحياة أنه يحب تلك الأيام التي يفعل فيها أشياء غير روتينية تسعده، يسترجع ذكراها مرارًا في ذهنه قبل أن ينام، وحين يحل الليل يتذكر أن هذا اليوم فعل فيه شيئًا جديدًا.

لم أتخيل أنني سأحتاج لاستعارة تلك الحيلة سريعًا، فأحاول استرجاع كل لحظة من جلساتنا الأخيرة لعلي أتمكن من احتمال كل هذا الحزن!

في تلك الجلسة شعرت للحظة بعظيم حظي به. بأن يمنحني من وقته واهتمامه الحقيقي. ينشغل لأمري ويفكر في حياتي. يخبرني بصدق أنه يقلق علي لأني أضع قلبي في كل ما أفعله. يهمس بأسى: "مقتلك في تفانيكِ يا سارة".

شعرت في هذه المرة كم أنا محظوظة بهذا الرجل؛ هذا الأب والمرشد والسند. عالم ومفكر بحجمه، يحب أن يتحاور معي. يسمعني بإنصات واهتمام. ويمنحني - بتواضع تام - خلاصة خبرته في الحياة. يقول صادقًا: "أنا مش بس بعمل دا لأني كنت أستاذكم يا سارة. أنا بستفيد منكم. بجدد نفسي بأفكاركم وبقرب من عالمكم". هكذا كان دائمًا صاحب عقل "طازج" ممتلئ بالحيوية والشباب لدرجة تُصعِّب علينا تصديق رحيله.

أمتن له امتنانًا مضاعفًا حين أسأله بشك: "هل ندمت؟" كنت أسأل عن امرأة أخرى، كانت يومًا ما فتاة مثلي. اتخذت اختياراتها الخاصة، عكس اتجاه الريح السائد، فيرد فورًا وقد التقط مغزى السؤال: "أبدًا يا سارة. اوعي تلومي نفسك أبدًا."

يخبرني في المرة الأخيرة أنه سعيد لأن يرى في علاقته بطلابه ذلك "العود الأخضر" لا يزال يانعًا. وأنه كان واضحًا من اللحظة الأولى في علاقته بنا جميعًا. لسنا حتى بمثابة "أبناء" له، لأن هذه العلاقة تخلو من الندية. إنما هي علاقة إنسان بإنسان كامل. يحترمنا ويرى فينا "عودًا أخضر" يحب أن يظل دائمًا مزدهرًا وبخير!

ثم يحدثني بحماس عن طالبات أخريات يعتز بهن وبمشوارهن في الحياة. ويكرر عليّ أسماءهن وكأنها وصية.

أرى حجم الحزن والصدمة برحيله، فيجيبني مرة أخرى عن سؤال حياتيٍّ كبير، ويخرس شكًا بدأ يتسلل مع الإحباط داخلي، أسمع الحقيقة وكأنه يخبرني بها بصوته: الصدق والإخلاص يفوزان دائمًا يا سارة. أتأمل سيرته الطيبة، وحجم الخسارة في قلوب كل من تعاملوا معه وأتمتم: ربح البيع يا دكتور ياسر. عشت صادقًا مخلصًا ومتفانيًا، بلا شلة ولا تنازل عن المبادئ أو رياء، وحصدت حبًا صادقًا وأثرًا خالدًا في قلوب كل من عرفوك.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
* Please Don't Spam Here. All the Comments are Reviewed by Admin.
إرسال تعليق (0)

#buttons=( أقبل ! ) #days=(20)

يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !