ضجيج أبيض..

أحاول الكتابة هنا منذ الأمس. أنا أواجه مشكلة كبيرة، أو ربما أكثر. أواجه مشكلة في عقلي، وأخرى في عملي وثالثة في قلبي وربما إن اتبعت نصيحة صديقنا الطبيب وأجريت الفحوص التي يلح عليّ لإجرائها لاكتشفت خللاً آخر في جسدي.
عقلي يشبه الدوامة طوال الوقت، وهنا تتقاطع مشكلته مع مشكلة العمل، تقول مديرتي إن لدي مشكلة في إدارة وقتي. لا أعقب ولا أندهش ولا أدافع عن نفسي. هي تقول هذا بينما تمر أمام عيني الساعات التي أمضيها محاولة التركيز على العمل وأنا أتصفح فيسبوك بملل دون هدف واضح وأحاول تذكر العمل الذي أريد إنجازه. أجلس في مكاني لساعات طويلة حتى يداهمني الليل أشعر بالشوق للبيت، للقطط ولتمديد ساقي باسترخاء على الأريكة أمام التليفزيون فأنجز العمل في وقتٍ قياسي لأرحل. أشعر كثيرًا أنه يحتجزني كرهينة، أراوغه طول ساعات الدوام لعل معجزة تحدث فأهرب، وحين أفقد الأمل في المعجزة أضطر لإنجازه!
لم يكن هذا أبدًا موقفي من العمل. قديمًا كان لديّ حماس عظيم، أتذكر جيدًا الليالي التي كنت أعجز عن النوم فيها لأن فكرة ما اختمرت في عقلي أريد تنفيذها ولا يفصلني عن ذلك إلا ساعات الليل.
لا أعرف متى تسرب مني كل هذا الحماس، كنت يومًا بالنسبة للبعض مصدرًا للحماس والإلهام. أتمنى ألا يلتقونني الآن أبدًا.
مشكلتي أن الأفكار في عقلي تتشعب بسرعة وكثافة لدرجة أنه يستحيل عليّ تتبعها. "أنا هنا الآن" أفكر في هذه الكلمة؛ بينما عقلي يطارد عشرات الكلمات والأفكار غير المترابطة دون سببٍ واضح.
نصحني صديقنا الطبيب الطيب بحبوب برتقالية تساعد على التركيز والنشاط والإنجاز. تقول أختي إنها مفيدة. تقول صديقتي إنها مفيدة. أتذكرها أنا بالكاد فأتناولها يوميًا في مواعيد متضاربة ولكن لا جديد يحدث. نفس الخمول والتشتت والانزعاج بسبب الخمول والتشتت وتضييع الوقت.
أشعر حالاً أنني جثة هامدة. هناك بعض النبض في مكان ما لكنني لا أتبينه. لا أعرف سببه ولا مصدره ولا حتى كيف يمكنني إنقاذه. أشعر أيضًا أنني غارقة في التعاسة دون سببٍ واضح، ولكنني حين اكون في البيت أشعر برضا تام عن الحال. أنا فقط لا أريد أن أواجه العالم.
أتصفح فيسبوك وترتطم عيني بعشرات الأحكام المطلقة والكلمات القاسية التي تسهل على من لم يخوضوا أي تجربة. تصدمني هذه الثقة وإيمان البعض بأن لديهم الحق المطلق. أفكر في الرد. تراودني عشرات الأفكار التي أريد كتابتها، التعليقات التي أود تسجيلها والآراء التي أحتاج للتعبير عنها، لأن هذا يحدد لي، قبل الآخرين، ملامح شخصيتي وتفكيري، ولكنني... لا أعرف. لا أعرف كيف أصف ما أشعر به ويجعلني أتخلى عن الفكرة.
ما هي مشكلتي؟ لا أعرف! أو "لا أعرف بالتحديد" هناك العديد من مواطن الألم / العطب، أتحسسها مرارًا حين يسألني أحدهم بصدق "كيف حالك؟" ولكنني لا أملك حلاً واحدًا لكل هذا الخلل.
مشكلتي أن الأفكار في عقلي تطاردني بشكل ملح. حتى وأنا أتفاعل مع الآخرين وينتظرون مني أن أبدي انفعالاً أو ردًا على ما يقولونه فلا يجدون إلا الصمت أو ردٍ باهت ربما يجعلهم يشعرون أنني لا أسمعهم باهتمام، على الرغم من أنني أفعل ولكن عقلي يركز في كل حكاية وكلمة أكثر من اللازم وينبت منها عشرات الأفكار الكبيرة والصغيرة كورم سرطاني يجتاح ضحيته بلا رحمة.
مشكلتي أن الأفكار في عقلي تتبخر بسرعة قبل أن أمضغها كفاية. وتظل هكذا كروح قتيل مغبون تحلق للأبد انتظارًا للعدالة.


مشكلتي كما أظن... مشكلتي.. آ.. أعتذر؛ لقد انقطع البث!






إرسال تعليق

0 تعليقات