كم مرة تأملت عملاً فنيًا وشعرت بأنك تتمنى لو تمتلك تعويذة سحرية ما تمكنك من اختراق اللوحة والعيش داخلها؟ لطالما شعرت بذلك وأنا أتأمل أعمال الفنان الهولندي فنسنت فان جوخ. تمنيت مرارًا لو أستلقي على الأرض وأتأمل السماء في "ليلة النجوم" أو أطل يومًا من "شرفة مقهى في الليل". أشرق قلبي وأنا أشاهد زهور عباد الشمس، ثم تمزق وأنا أطالع الألم في كل بورتريه شخصي له.
حين شاهدت فيلم Loving Vincent الذي يتجاوز أعماله الفنية إلى قصة حياته، والمرسوم بالكامل بأسلوب فان جوخ نفسه، تأجج شعوري بالأسى تجاهه وددت لو اخترقت الفيلم لأواسيه وأربت على كتفيه.
لهذه الأسباب وأكثر كانت تجربة زيارة معرض فان جوخ في القاهرة Beyond Van Gogh: The Immersive Experience بالنسبة لي تجربة آسرة للغاية. ذلك الفنان العبقري الذي نال شهرة عالمية مذهلة بعد رحيله ولم يبع إلا لوحة واحدة خلال حياته. أعماله تلمس ليس فقط عشاق الفن، وإنما أيضًا الهواة بشكل كبير. تجاوزت لوحاته جدران المعارض الفنية لتصل إلى الأزياء وملابس الشباب بالتحديد وإكسسواراتهم.
ما وراء تجربة فان جوخ الغامرة
تجربة معرض "ما وراء فان جوخ: التجربة الغامرة" لا تقوم على عرض اللوحات بشكلها التقليدي، بل تعيد تقديمها في صورة ثلاثية الأبعاد، تتحرك فيها الألوان وتتشابك مع الموسيقى والإضاءة.
الفكرة بدأت بعيدًا عن القاعات، خلال جائحة كورونا عام 2020، حين سعى فريق "نورمال ستوديو" في مونتريال، بقيادة المخرج الإبداعي ماتيو سان أرنو، إلى تقديم الفن بطريقة مختلفة، يمكن أن تصل إلى الناس حتى في أوقات العزلة.
ومنذ انطلاقها الأول في مدينة ديترويت عام 2021، لم تتوقف التجربة عند حدود مدينة أو دولة، بل انتقلت سريعًا بين قارات مختلفة، حاملة معها نفس السؤال: كيف يمكن للفن أن يُرى ويُشعر به في الوقت نفسه؟
خلال سنوات قليلة، تحولت التجربة إلى واحدة من أكثر الفعاليات الفنية حضورًا جماهيريًا. فبحسب الشركات المنتجة، تجاوزت مبيعات التذاكر عالميًا 7 ملايين تذكرة حتى عام 2024، بينما سجلت بعض المدن أرقامًا لافتة؛ نحو 200 ألف زائر في ميلووكي خلال سبعة أشهر، ورقم مماثل في سان دييغو، إلى جانب عشرات الآلاف في مدن بريطانية مثل غلاسكو.
من العالم إلى القاهرة.. جولة داخل معرض فان جوخ
بعد جولات امتدت بين الولايات المتحدة وأوروبا، وصلت التجربة إلى القاهرة في أبريل 2026، لتضيف محطة جديدة في مسارها. ورغم أن الفكرة واحدة، فإن استقبالها في كل مدينة يحمل طابعًا مختلفًا، يتشكل حسب الجمهور نفسه بخلفياته، واهتماماته، وطريقته في التفاعل مع الفن.
في الطريق إلى قاعة العرض الرئيسية، تطالع العديد من أعمال "فان جوخ" بحجم كبير على القماش، فضلاً عن شاشات عرض تحكي قصة تجربته الإنسانية والفنية الفريدة. وكأنها تعدك نفسيًا لاستقبال هذه الجرعة الكبيرة من الفن. داخل القاعة تجد نفسك محاطًا من كل الزوايا بأعمال فان جوخ بحجم الجدار. تعززها الموسيقى الآسرة في الخلفية والأضواء التي تجعلك في لحظة تشعر أنك بالفعل دخلت قلب اللوحات.
في لحظة، تظهر "ليلة النجوم" المتلألئة، وفي أخرى، تمتد زهور عباد الشمس على الجدران، وحتى بورتريه فان جوخ تلاحظ رمشته الخفيفة بيعينيه وكأنه يترقب برهافة فنان رد فعلك على أعماله. ما يجعل المعرض يضعك في حالة شعورية متكاملة، لا مجرد مشاهدة للوحات.













