كأي دولاب مطبخ آخر، عندي برطمان الملح، الفلفل الأسود، الكمون، الشطة، ورق اللورا والحبهان، ولدي الأهم: برطمان "بهارات ماما". كان يجب أن يحمل هذا الاسم لأنها فعلًا لا تشبه أية بهارات أخرى، أعتبرها تركيبة سحرية تجعل للطعام مذاق أمي في غيابها، وبالطبع أي أكلة لا تكون "طعامًا حقيقيًا" إلا حين تشبه طهي أمي مذاقًا ورائحةً.
تعد أمي البهارات بنفسها. تختار بنفسها المكونات التي تعرفها جيدًا. تنفق ساعات في تنقيتها من الشوائب التي يمكن أن تجعل مذاقها باهتًا ثم تطحنها. تحب أن تبذل مجهودًا كبيرًا في إعدادها ولا تحب شراءها جاهزة وسهلة من العطار. هذه وصفة البهارات، ووصفة الحياة على طريقة أمي.
تحب أمي أن تبذل ما في وسعها من جهد في كل شيء. تدق الثوم بيديها، تقطع البصل بالسكين، تقلب البشاميل يدويًا، فيحمل كل شيء تفعله بعضًا من روحها، ويصبح طيبًا. ربما لهذا السبب حين يحل الليل تنام فورًا بعمق، وقد وزعت بعضًا من روحها على كل ما/من في البيت.
وأنا أصغر سنًا كنت أمتعض: لماذا نبذل جهدًا أكبر طالما بإمكاننا أن نبذل جهدًا أقل بمساعدة أدوات لدينا بالفعل؟ ترد أمي في كل مرة: "الحاجات دي بتضيع طعم الأكل". حين ابتعدت وافتقدت مذاقها في البيت أصبحت أفعل الأمر نفسه. أدق الثوم بالهون الثقيل، لا أقطع البصل أبدًا في "الكبة" ولا أطيق البشاميل الجاهز. واكتشفت أننا بشكل ما نضع بعضًا من روحنا في الطبخة التي احتاجت مجهودًا أكبر لتحضيرها.
أفهم الآن نظرية أمي وأحبها لكنني لا أملك صبرها ولا روحها فلا أفعل ذلك إلا حين يستبد بي الحنين. وفي الأيام الصعبة يكفي أن أستعين بالتعويذة السحرية في برطمان "بهارات ماما" لأتمتع بمذاقها.
